تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 19 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فن

أفريقيا واستعادة الذاكرة الموسيقية من خزائن الاستعمار

29 يوليو, 2026
الصورة
أفريقيا واستعادة الذاكرة الموسيقية من خزائن الاستعمار
Share

في مساء خميس هادئ ودافئ في نيروبي، نستعد لتسجيل حوار مهم. أسأل مهندسة الصوت: "هل أنتِ مستعدة؟" فتجيبني بإيماءة. ألتقط نفسا عميقا، وأقرّب الميكروفون، ثم أبدأ: "مرحبا بكم في حلقة جديدة من هاديثي هانغ آوت..".

ليست هذه الحلقة سوى واحدة من حوارات كثيرة تُسجَّل وتُؤرشف أسبوعيًا في أنحاء أفريقيا. ففي كل يوم، ينتج المبدعون الأفارقة عروضا حية، وبرامج إذاعية، ومقاطع لمنسقي الموسيقى، وندوات، وحوارات ثقافية. لكن ما مصير هذه اللحظات بعد انتهاء العروض وإغلاق الميكروفونات؟

هذا السؤال وثيق الصلة بتاريخ القارة وذاكرتها. فقد عرفت أفريقيا، منذ قرون، تقاليد راسخة في حفظ المعرفة وتناقلها شفهيا، عبر الأغاني والأمثال والحكايات والأساطير. لكن خلال الحقبة الاستعمارية، سجّل باحثون ومؤسسات وشركات إنتاج أجنبية جوانب واسعة من التراث الموسيقي الأفريقي، ثم نقلوا تلك التسجيلات إلى خارج القارة.

هكذا، ظلت أجزاء كبيرة من الذاكرة الصوتية الأفريقية حبيسة المتاحف الأجنبية، أو محجوبة خلف حواجز الدفع في المؤسسات والمنصات الأكاديمية، فلا يتاح الوصول إليها إلا للباحثين أو لمن يستطيعون تحمّل تكلفتها.

لعل «أرشيف الموسيقى الأفريقية» خير مثال على ذلك؛ إذ يتطلب الاطلاع على تسجيلاته البالغ عددها 14 ألفًا السفر إلى مدينة ماينتس الألمانية. أما المكتبة الدولية للموسيقى الأفريقية (ILAM) التي أسسها عالم الموسيقى الإثنية هيو تريسي في جنوب أفريقيا عام 1954، فلم تشرع إلا مؤخرا في رقمنة أجزاء من مجموعتها الضخمة، وإتاحتها عبر الإنترنت.

يبقى السؤال الجوهري هو من يملك حق الوصول إلى الذاكرة الثقافية الأفريقية؟ يستكشف فنان الصوت الكيني كيه إم آر يو (KMRU) هذا السؤال في ألبومه الصادر عام 2023 بعنوان المحفوظ مؤقتًا (Temporary Stored). يمزج الفنان في عمله بين المُركّبات الصوتية، والتسجيلات الميدانية، ومواد أرشيفية محفوظة في المتحف الملكي لأفريقيا الوسطى ببلجيكا، في محاولة لفك أسر أصوات انتُزعت من موطنها وظلت طويلًا حبيسة الأرشيف الاستعماري.

غير أن المبدعين والمؤسسات الأفريقية بدأوا اليوم يتولون بأنفسهم مهمة حفظ تراثهم الموسيقي. فقد أتاحت لهم التكنولوجيا الرقمية ومعدات التسجيل والمنصات الإلكترونية توثيق الموسيقى التقليدية، ورقمنة التسجيلات التاريخية، وبناء أرشيفات جديدة باتت متاحة أخيرًا للجمهور الأفريقي.

لا تكتمل قيمة الحفظ من دون الإتاحة؛ إذ يظل الأرشيف المغلق شكلا من أشكال الإقصاء، مهما بلغت أهمية ما يحتويه. أما الأرشيف المفتوح، فيمنح الأفارقة فرصة استعادة ثقافتهم، ومراجعة القراءات الاستعمارية التي فُرضت عليها، ويتيح للفنانين أن يرووا قصصهم بأصواتهم ومن منظورهم الخاص.

في كينيا، تجسّد أربعة أرشيفات موسيقية هذا التحول بوضوح، نستعرضها في هذه المقالة.

«تاماشا».. إنقاذ الموسيقى من أشرطة الزمن

تتخذ شركة تاماشا للتسجيلات (Tamasha Records) من مجمع «ذا مول»، في حي ويستلاندز بنيروبي، مقرًا لها، وتُعد من أبرز الجهات التي تحفظ تاريخ الموسيقى الأفريقية المسجلة في شرق أفريقيا.

تأسست الشركة في أوائل تسعينيات القرن الماضي، عقب انسحاب «بوليغرام شرق أفريقيا» من المنطقة. وكانت «بوليغرام» قد تركت وراءها واحدة من أكبر مجموعات الموسيقى المسجلة في شرق أفريقيا، تضم أكثر من 10 آلاف تسجيل لفنانين نشطوا بين خمسينيات وثمانينيات القرن العشرين.

لا تكتمل قيمة الحفظ من دون الإتاحة؛ إذ يظل الأرشيف المغلق شكلا من أشكال الإقصاء، مهما بلغت أهمية ما يحتويه. أما الأرشيف المفتوح، فيمنح الأفارقة فرصة استعادة ثقافتهم، ومراجعة القراءات الاستعمارية التي فُرضت عليها، ويتيح للفنانين أن يرووا قصصهم بأصواتهم ومن منظورهم الخاص

على مدى عقود، انكبّت «تاماشا» على رقمنة الأسطوانات وأقراص السي دي التي تضم أعمالا لفنانين أسطوريين، من أمثال: فرانكو لُوامبو، وتابو لي روشيرو، وداودي كاباكا. وبفضل هذه الجهود، أصبحت تسجيلاتهم متاحة اليوم عبر منصات البث والتنزيل.

أما قناة «تاماشا» على يوتيوب، فقد تحولت لدى كثير من عشاق الموسيقى إلى جسر من الحنين يعيدهم إلى عالم الموسيقى الكلاسيكية في شرق أفريقيا، المعروفة أيضًا باسم «زيليزوبندوا»(zilizopendwa).ولولا جهود الرقمنة، لربما ظلت هذه الموسيقى منسية في غرف التخزين، أو فُقدت إلى الأبد مع تآكل أشرطة التسجيل الأصلية بمرور الزمن.

«سينغينغ ويلز».. توثيق الموسيقى في موطنها

انطلق مشروع «سينغينغ ويلز» (Singing Wells) مدفوعا بالشعور نفسه بضرورة إنقاذ الموسيقى من الضياع، لكنه اختار طريقا مختلفا. ففي عام 2011، جمع قلق مشترك بين الناشطين الثقافيين تابو أوسوسا، من مؤسسة «كيتيبول ميوزيك»، وجيمي ألن، من مؤسسة «أبوبيلا ميوزيك» البريطانية. فقد كانت الموسيقى التقليدية في شرق أفريقيا تتلاشى تدريجيا مع رحيل الموسيقيين الأكبر سنا، في وقت كانت فيه الأجيال الشابة تنجذب بصورة متزايدة إلى أنماط الثقافة الشعبية العالمية.

جاء ردهما عمليًا؛ إذ أسسا مشروع «سينغينغ ويلز»، وجمعا فريقيهما، وانطلق الجميع في حافلة تجوب أنحاء شرق أفريقيا. وبدلا من استقدام الموسيقيين إلى استوديوهات المدن، ذهب المشروع إليهم، وسجّل موسيقاهم داخل مجتمعاتهم وفي بيئاتها الأصلية.

ظلت أجزاء كبيرة من الذاكرة الصوتية الأفريقية حبيسة المتاحف الأجنبية، أو محجوبة خلف حواجز الدفع في المؤسسات والمنصات الأكاديمية، فلا يتاح الوصول إليها إلا للباحثين أو لمن يستطيعون تحمّل تكلفتها

بعد 15 عامًا، أصبح «سينغينغ ويلز» أكبر أرشيف مفتوح في العالم للموسيقى التقليدية في شرق أفريقيا. وتضم مجموعته الرقمية مئات التسجيلات التي توثق تقاليد الموسيقى والرقص في كينيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا.

لا يقتصر عمل المشروع على التسجيلات الموسيقية، بل ينشر أيضا سيرا للموسيقيين، وتقارير ميدانية، ومواد توثيقية عن الآلات الموسيقية. وبذلك أصبح مرجعا مهما للباحثين والمعلمين والفنانين الراغبين في استعادة صلتهم بجذورهم الثقافية واستلهامها في أعمالهم.

«سانتوري».. أرشفة الحاضر

تأسست «سانتوري شرق أفريقيا» (Santuri East Africa) عام 2013 على يد ديفيد تينينغ وغريغ تندوا، وسرعان ما أصبحت من المؤسسات الرائدة في تعليم الموسيقى، وتطوير مواهب الفنانين، وتشجيع الابتكار الثقافي.

إذا كانت «تاماشا» تنقذ التسجيلات التاريخية، و«سينغينغ ويلز» يوثق الموسيقى التقليدية في بيئاتها الأصلية، فإن «سانتوري» يوجه عدسته نحو الحاضر، مسجلًا المشهد الثقافي وهو يتشكل.

ففي «سانتوري صالون»، مساحته المجتمعية الواقعة داخل مجمع «ذا مول»، ينظم المشروع ندوات وجلسات استماع ولقاءات مع الفنانين، تتناول الموسيقى والثقافة والتكنولوجيا. ويُسجَّل كثير من هذه الحوارات ويُنشر عبر الإنترنت، ليصبح جزءًا من أرشيف حي يوثق الثقافة المعاصرة في شرق أفريقيا.

من أبرز هذه المبادرات «هاديثي هانغ آوت» (Hadithi Hangout)، وهو نادي قراءة شهري يستكشف التاريخين السياسي والموسيقي لكينيا. وتتيح تسجيلاته للمستمعين العودة إلى حوارات معمقة تتناول قضايا متنوعة، من أثر الاستعمار في الموسيقى المعاصرة إلى تحولات الموسيقى الكينية عبر الأجيال.

قد تصبح هذه التسجيلات، بالنسبة إلى الباحثين الذين سيحاولون مستقبلًا فهم المشهد الإبداعي لشرق أفريقيا في عشرينيات القرن الحالي، مرجعًا لا يقل أهمية عن مجموعات الموسيقى التاريخية.

«كالوتروبيس راديو».. أرشفة التاريخ على الهواء

بدوره، يقدم «كالوتروبيس راديو» (Calotropis Radio)، وهو الأرشيف الرابع، نموذجا مختلفا يقلب المفهوم التقليدي للأرشفة. فإذا كانت الأرشيفات عادةً تجمع التاريخ بعد مروره، فإن هذه الإذاعة المجتمعية تسجله لحظة تشكّله.

غير أن المبدعين والمؤسسات الأفريقية بدأوا اليوم يتولون بأنفسهم مهمة حفظ تراثهم الموسيقي. فقد أتاحت لهم التكنولوجيا الرقمية ومعدات التسجيل والمنصات الإلكترونية توثيق الموسيقى التقليدية، ورقمنة التسجيلات التاريخية، وبناء أرشيفات جديدة باتت متاحة أخيرا للجمهور الأفريقي

تأسست الإذاعة في نيروبي، وتتخذ هي الأخرى من مجمع «ذا مول» مقرًا لها، وتعرّف نفسها بأنها جهة «تتاجر بالصوت والموسيقى والشعر». وإلى جانب ما تبثه عبر موقعها من مختارات موسيقية متنوعة، تنقل الإذاعة مباشرة عروض منسقي الموسيقى، والحوارات المجتمعية، والفعاليات الثقافية، وتحتفظ بها في أرشيفها الإلكتروني.

منذ عام 2025، تتعاون الإذاعة مع «قمة كيليلي» (Kilele Summit)، وهي مهرجان «سانتوري» السنوي للموسيقى الطليعية والتكنولوجيا. ومن خلال هذه الشراكة، تبث الندوات وورش الفنانين إلى جمهور يتجاوز حدود نيروبي بمسافات بعيدة.

ويكشف نموذج «كالوتروبيس راديو» أن بناء الأرشيف لا يبدأ دائمًا بعد انتهاء الحدث؛ فقد يولد على الهواء مباشرة، بثًا تلو الآخر.

حين تصبح الذاكرة في أيدينا

تذكّرنا هذه الأرشيفات بأن القدرة على رواية قصصنا وحفظها أصبحت اليوم في أيدينا. فليس لحفظ الثقافة الأفريقية شكل واحد؛ قد يبدأ برقمنة أسطوانة قديمة، أو بتوثيق موسيقيين تقليديين في قرى نائية، أو بتسجيل حوار مجتمعي، أو ببث عرض تجريبي مباشرة إلى جمهور في مختلف أنحاء العالم.

ما يهم هو أن تظل هذه القصص متاحة. فالأرشيف المفتوح يتيح دراسة الثقافة وتذكّرها وإعادة تخيّلها، ويساعد الأجيال المقبلة على فهم من كنا، وما الذي أبدعناه، وما الذي كان يعني لنا. وفي النهاية، قد يبدأ حفظ الثقافة بفعل بسيط للغاية: أن نقرّب الميكروفون ونضغط زر التسجيل.