السبت 5 سبتمبر 2026
مع عودة الجدل الدولي بشأن الاعتراف بصوماليلاند إلى صدارة العناوين العالمية خلال الأشهر الأخيرة، طغت قضايا السيادة والدبلوماسية على النقاش. فقد أعادت التقارير عن اعتراف إسرائيل بصوماليلاند في ديسمبر/كانون الأول، وافتتاح الأخيرة سفارة في القدس في 16 يونيو/حزيران، مستقبل الدولة السياسي بقوة إلى دائرة الاهتمام الدولي. غير أن هذا الزخم أخفى وراءه قضية إنسانية لا تقل أهمية، لكنها لا تزال غائبة إلى حد بعيد عن النقاش، يُتوقع من كل فتاة تقريبًا في صوماليلاند أن تخضع لتشويه الأعضاء التناسلية للإناث، المعروف بختان الإناث.
"عندما تولد فتاة هنا، يعرف كثيرون مسبقًا ما الذي ينتظرها"، تقول هبون فيصل، وهي طالبة تدرس القبالة في مستشفى إدنا آدم. تكشف كلماتها مدى تجذّر التوقعات الاجتماعية المرتبطة بختان الإناث، وكيف تبدأ هذه الممارسة في رسم مصير الفتاة منذ لحظة ولادتها؟
تطرح هذه المفارقة سؤالًا مقلقًا، لماذا لم يصاحب تجدد الاهتمام الدولي بمستقبل صوماليلاند السياسي اهتمام مماثل بواحد من أخطر تحديات حقوق الإنسان فيها؟ يكمن جانب من الإجابة في الطريقة التي يتوزع بها الاهتمام الدولي، وفي قدرة بعض القضايا على الظهور والبقاء في صدارة النقاش، بينما تظل قضايا أخرى على الهامش.
يتضح هذا التفاوت عندما تحيي المنظمات الدولية اليوم الدولي لعدم التسامح مطلقًا إزاء تشويه الأعضاء التناسلية للإناث؛ إذ غالبًا ما يتجه الاهتمام إلى دول مثل: مصر والسودان وكينيا، بينما نادرًا ما تكون صوماليلاند في قلب هذا النقاش. ووفقًا للمسح الصحي والديموغرافي الصومالي لعام 2020، خضعت نحو 99.6٪ من النساء في صوماليلاند لختان الإناث، ولا يزال أشد أشكاله، وهو الختان التخييطي، واسع الانتشار. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه النسبة الاستثنائية، نادرًا ما تُتناول صوماليلاند بوصفها حالة قائمة بذاتها في النقاشات الدولية والجهود الرامية إلى إنهاء هذه الممارسة.
قصة ختان الإناث في صوماليلاند لا يمكن اختزالها في معاناة الضحايا وحدها؛ فهي أيضًا قصة قيادة محلية، وتغير اجتماعي يتقدم ببطء
لكن ضخامة هذه الأرقام لا تجعل الممارسة أكثر ظهورًا، فختان الإناث من أكثر أشكال العنف خفاءً؛ إذ يُمارس غالبًا في مرحلة الطفولة، وخلف أبواب مغلقة، وفي بيئات اجتماعية لا تعتبره مطلقا إساءة، بل مطلبًا مرتبطًا بالزواج وشرف الأسرة والمكانة الاجتماعية.
في صوماليلاند، يتضاعف خفاء هذه الممارسة بفعل تهميش سياسي أوسع. فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، أدار الإقليم شؤونه بنفسه، وأقام مؤسساته الخاصة، وحافظ على قدر من الاستقرار، لكنه ظل خارج دائرة الاعتراف الدولي. وقد جعل ذلك كثيرًا من تحدياته الاجتماعية والإنسانية أقل قدرة على جذب اهتمام دولي مستمر بوصفها قضايا مستقلة تستحق المعالجة في حد ذاتها.
هكذا، يجتمع الصمت المجتمعي المحيط بختان الإناث مع وجود صوماليلاند على هامش النظام السياسي الدولي، بما يساعد على تفسير غياب أحد أعلى معدلات ختان الإناث في العالم عن صدارة النقاش العالمي. وإذا كان المفترض أن تكون حقوق الإنسان عالمية، فإن هذه المفارقة تطرح سؤالًا مقلقًا: إلى أي مدى يحدد الحضور السياسي المعاناة التي يختار العالم رؤيتها؟
لا يمكن ردّ المعدلات المرتفعة لختان الإناث في صوماليلاند إلى التقاليد وحدها؛ فاستمرار هذه الممارسة يرتبط بمنظومة راسخة من التوقعات والضغوط الاجتماعية. وفي كثير من الأسر، يُربط ختان الإناث بالطهارة والاحتشام وفرص الفتاة في الزواج. غالبًا ما يُقدم الوالدان على إخضاع ابنتهما للختان اعتقادًا منهما بأنهما يحميان مستقبلها، في مجتمع قد تدفع فيه الفتاة ثمنًا اجتماعيًا باهظًا إذا بقيت من دون ختان.
أما الناجيات من هذه الممارسة، فيواجهن مضاعفات قد تمتد طوال حياتهن، بدءًا من النزيف الحاد والعدوى، وصولًا إلى الآلام المزمنة والمضاعفات المستديمة المرتبطة بالولادة والصدمات النفسية. وهي تبعات يواصل العاملون في قطاع الرعاية الصحية بصوماليلاند التعامل معها يوميًا.
ختان الإناث من أكثر أشكال العنف خفاء؛ إذ يُمارس غالبا في مرحلة الطفولة، وخلف أبواب مغلقة، وفي بيئات اجتماعية لا تعتبره مطلقا إساءة، بل مطلبًا مرتبطا بالزواج وشرف الأسرة والمكانة الاجتماعية
غير أن اختزال ختان الإناث في آثاره الطبية وحدها يحجب حقيقة أكثر تعقيدًا؛ فهذه الممارسة لا تستمر نتيجة خيارات فردية معزولة، بل تحت وطأة منظومة واسعة من الضغوط والتوقعات الاجتماعية. وقد تجد الأمهات اللواتي خضعن للختان أنفسهن مدفوعات إلى إخضاع بناتهن للممارسة ذاتها، لا رغبة في إيذائهن، بل خوفًا من تعرضهن للوصم أو الإقصاء، أو تراجع فرصهن في الزواج.
في مواجهة هذه الضغوط، يبرز التعليم بوصفه أحد أهم عوامل التغيير، فالأبحاث تشير إلى تراجع تأييد ختان الإناث كلما اتسعت فرص التعليم، ولا سيما أمام النساء والفتيات. في المقابل، تسهم التصورات الخاطئة عن الدين، إلى جانب الأعراف الاجتماعية المتجذرة، في استمرار الممارسة داخل بعض المجتمعات. لذلك، لا يمكن تحقيق تغيير دائم من دون الجمع بين التعليم والحوار المجتمعي والإصلاح القانوني.
من هنا، فإن تصوير ختان الإناث بوصفه دليلًا على "تخلّف" متأصل في المجتمع ليس حكمًا غير دقيق فحسب، بل قد يقوض أيضًا الجهود المبذولة لإنهائه. فهذه النظرة تختزل واقعًا اجتماعيًا معقدًا، وتتجاهل حقيقة أن مقاومة الممارسة تنبع بالفعل من داخل صوماليلاند نفسها.
في مختلف أنحاء الإقليم، أمضت منظمات نسائية وعاملون في القطاع الصحي وتربويون وقادة دينيون سنوات في تصحيح الاعتقاد بأن ختان الإناث فريضة دينية، وفي العمل المباشر مع المجتمعات المحلية للحد من انتشاره. ولا تزال هذه الجهود المحلية بعيدة عن مستوى الاهتمام الدولي الذي تحظى به الظاهرة التي تسعى إلى مواجهتها.
مع ذلك، تكشف هذه المبادرات أن قصة ختان الإناث في صوماليلاند لا يمكن اختزالها في معاناة الضحايا وحدها؛ فهي أيضًا قصة قيادة محلية، وتغير اجتماعي يتقدم ببطء، ومجتمعات تعمل من داخلها على مراجعة أعراف عميقة الجذور وتغييرها.
كثيرًا ما توصف حقوق الإنسان بأنها عالمية، غير أن الاهتمام الدولي لا يتوزع بالتساوي. فالأزمات السياسية تستقطب عادة تغطية إعلامية وجهود مناصرة أوسع من تلك التي تحظى بها انتهاكات حقوقية لا تقل عنها خطورة في أماكن أخرى.
تجسد صوماليلاند هذه المفارقة بوضوح. فمنذ إعلان استقلالها عن الصومال عام 1991، احتفظت بنظام حكم خاص بها، ونظمت انتخابات عدة، وطورت مؤسسات تعمل بصورة مستقلة عن مؤسسات مقديشو. غير أن الاعتراف الدولي بها ظل محدودًا، ولذلك كثيرًا ما تُتناول قضاياها ضمن الإطار الأوسع للصومال، سواء في الدبلوماسية الدولية أو التقارير الإنسانية أو التغطية الإعلامية.
حين يُنظر إلى صوماليلاند، في المقام الأول، بوصفها جزءًا من قضية سياسية أوسع، تتراجع قدرة تحدياتها الاجتماعية على جذب اهتمام مستمر بوصفها قضايا قائمة بذاتها. ويُعد ختان الإناث أحد أبرز الأمثلة على ذلك.
لا يعني هذا أن المنظمات الدولية تجاهلت صوماليلاند تمامًا. فقد وثقت وكالات الأمم المتحدة والباحثون ومنظمات المجتمع المدني المحلية انتشار ختان الإناث، ودعمت برامج تهدف إلى الحد منه. لكن صوماليلاند، رغم تسجيلها أحد أعلى معدلات انتشار هذه الممارسة في العالم، نادرًا ما تحظى بالمكانة نفسها التي تحتلها بلدان أخرى في حملات مكافحة ختان الإناث والنقاشات الدولية المرتبطة بها. فكثيرًا ما تُدمج تجربتها في سرديات أوسع عن الصومال، بدلًا من تناولها وفق ظروفها وخصوصيتها.
انتهاكات حقوق الإنسان لا تصبح أقل خطورة لمجرد وقوعها في أماكن متنازع على وضعها السياسي. والفتيات اللواتي يخضعن للختان يعانين الألم نفسه... شأنهن شأن الفتيات في أي مكان آخر
هكذا تواجه صوماليلاند تغييبًا مزدوجًا؛ يظل ختان الإناث مستترًا داخل المجتمعات المحلية، بينما تبقى صوماليلاند نفسها في موقع هامشي داخل النظام السياسي الدولي. وبين هذين المستويين من التغييب، تظل تجارب نسائها وفتياتها على أطراف النقاش العالمي بشأن حقوق الإنسان.
لا تقف آثار هذا التفاوت عند حدود التغطية الإعلامية، بل تمتد إلى أولويات البحث وحملات المناصرة واهتمام الجهات المانحة. فبعض الأزمات تتحول إلى قضايا عالمية مركزية، في حين تظل أزمات أخرى، لا تقل عنها خطورة، بعيدة نسبيًا عن دائرة الاهتمام.
من هنا تطرح تجربة صوماليلاند سؤالًا مقلقًا أمام المجتمع الدولي المعني بحقوق الإنسان: إذا كان الوفاء بوعد عالمية هذه الحقوق يتأثر، ولو جزئيًا، بالحضور السياسي، فهل يستطيع النظام العالمي حقًا أن يزعم أن كل حياة تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام؟
غالبًا ما يُختزل الاعتراف الدولي في كونه مسألة دبلوماسية، لكنه يتجاوز حدود العلاقات بين الدول؛ إذ يسهم أيضًا في تحديد القصص التي تُروى، والأصوات التي تجد منبرًا، والمظالم التي تحظى باهتمام دولي مستمر.
تواجه فتيات صوماليلاند واحدة من أشد أزمات ختان الإناث في العالم. وقد وثق الباحثون تجاربهن، وتصدى ناشطون محليون شجعان لهذه الممارسة، فيما يواصل العاملون في الرعاية الصحية تقديم العناية للناجيات من آثارها. ومع ذلك، نادرًا ما تجد قصص هؤلاء الفتيات مكانًا مؤثرًا في النقاش العالمي بشأن ختان الإناث.
لا ينبغي أن يكون تسليط الضوء على صوماليلاند على حساب البلدان الأخرى المتأثرة بهذه الممارسة، كما أن الاعتراف الدولي، في حد ذاته، لن يكون كافيًا لإنهائها. فختان الإناث قضية اجتماعية عميقة الجذور، تتطلب تغييرًا طويل الأمد تقوده المجتمعات المحلية نفسها. وقد أثبتت المنظمات النسائية والقادة الدينيون والتربويون والعاملون في الرعاية الصحية في صوماليلاند مرارًا أن الإصلاحات الأكثر مصداقية واستدامة تبدأ من الداخل.
غير أن الرهان على القيادة المحلية لا يعفي المجتمع الدولي من مسؤوليته. فإذا أرادت الجهود العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان أن تكون وفية لمبادئها، فعليها أن تتجاوز الأماكن والقضايا التي تهيمن أصلًا على العناوين الرئيسية وجداول الأعمال الدبلوماسية. وعليها أن تسأل ما إذا كانت الوقائع السياسية تحدد، بصمت، أيّ المعاناة تُرى وأيّها يُسمح لها بالبقاء في الظل.
فانتهاكات حقوق الإنسان لا تصبح أقل خطورة لمجرد وقوعها في أماكن متنازع على وضعها السياسي. والفتيات اللواتي يخضعن للختان يعانين الألم نفسه، والعواقب الممتدة مدى الحياة نفسها، ويُسلب منهن الحق ذاته في التحكم بأجسادهن، شأنهن شأن الفتيات في أي مكان آخر. وتذكرنا صوماليلاند بأن التغييب ليس مجرد غياب عن الأنظار، بل قد يتحول في ذاته إلى شكل من أشكال عدم المساواة.