السبت 5 سبتمبر 2026
لم يعُد السؤال عن الحرب السودانية، بعدما دخلت عامها الرابع، مُتعلقا بمن ربح هذه المعركة أو خسر تلك؟ بل بمن هو الطرف الذي يمتلك القدرة على جعل مكاسبه العسكرية والسياسية قابلة للتراكم والاستقرار؟
من هذه الزاوية، فإنّ السيطرة المؤقتة على مدينة أو بلدة أو طريق هنا وهناك، لن يُجدي فتيلا في اللحظة التي يتحول فيه القتال إلى حربِ استنزاف طويلة الأمد؛ فالجيش السوداني نجح أواخر يوليو/تموز في كسر طوق الدعم السريع حول الأبيض واستعادة مواقع رئيسة في ولاية شمال إقليم كردفان (وسط غرب السودان). لكن قوات الدعم السريع ردّت بتحويل ثقل عملياتها إلى جنوب ولاية النيل الأزرق على الحدود الإثيوبية؛ حيث استعادت خلال أيام مواقع عديدة كان الجيش استعادها منها؛ لذلك فإنّ ما يبدو على الخريطة كسلسلة من الهجمات المتفرقة، قد يكون في الحقيقة بداية اختبار لسؤال استراتيجي جديد، مفاده هل يستطيع الجيش استثمار تقدمه في كردفان قبل أن يجبَر على تشتيت قوته بين جبهاتٍ متباعدة؟
ظلّت العمليات العسكرية للجيش في شمال كردفان أكثر أهمية، مما يوحي به حجم البلدات التي استعادها؛ ففي 25 يوليو/تموز سيطر الجيش وحلفاؤه على مدينة بارا وقُرى أخرى متجاورة، مثل: أم سيالا والبركة وأم قرفة وجبرة الشيخ.
وبحسب تقرير منشور موقع (سودان تريبون)، فإنّ الجيش تمكّن في اليوم التالي من بسط نفوذه على (بارا) من فرض سيطرته على طريق الصادرات الرابط بين مدينتّى أم درمان والأُبيِّضْ والبالغ طوله نحو 350 كلم، بعد أن ظلت الدعم السريع تفرض سيطرتها عليه منذ الأشهر الأولى للحرب.
الأرجح أن الحرب تتجه الآن إلى مرحلة أكثر اعتمادًا على استنزاف قُدرات الخصم بدلا عن محاولة تحقيق اختراقات حاسمة. وفي هذا النوع من استراتيجيات الحروب، قد يُصبح الموقع الذي لم يسقط بعد، أهم من الذي سقط بالفعل
لا يكمن الانتصار العسكري في استعادة الجيش السيطرة على الطريق في حد ذاته، بل في تقليص المسافة الآمنة التي تتيح للدعم السريع رفد قواتها التي تضرب حصارا على مدينة الأبيض بسلاسل إمدادٍ آمنة ومُستدامة. فضلا عن إتاحتها للجيش هامشاً أوسع للمناورة غربًا، بينما تحرم الدعم السريع من أحد ممراتها الرئيسة بين مناطق نفوذها في كردفان وعمقها الاستراتيجي في معاقلها الرئيسة في دافور. لذلك فإن الانهار المحتمل لطوق الحصار الذي تفرضه الدعم السريع حول الأبيض؛ من شأن ذلك يُمثِّل تحولًا مُهمًا بعد أكثر من 18 شهرًا من الجمود في جبهة شمال كردفان.
من جهة أُخرى، خلق هذا الانتصار للجيش مشكلة جديدة؛ فكلما تقدّم أكثر، أصبح مُطالبًا بحماية مساحة أكبر؛ ففي حربٍ تعتمد على الطرق الصحراوية والممرات المحدودة، لا تعني السيطرة على مساحات كبيرة من الأرض أن انتصاراً عظيماً قد تحقّق، فكلما اُضُطر الجيش إلى نشر قوات كبيرة لحماية بارا وجبرة الشيخ وأم سيالا وطريق الصادرات، فاحتمال تحوّل المكاسب إلى عبء يستنزف وحداته الهجومية يصبح أكبر. وهذا ما حدث بالفعل.
في السياق، تبرز أهمية قراءة معاودة قوات الدعم السريع هجماتها على الأُبيِّضْ، في 12 أغسطس/آب، إذ أفادت وكالة رويترز بتصعيد تلك القوات لعملياتها العسكرية على المدينة المُحاصرة بالطائرات المسيّرة والهجمات البرية، موثقة شن ثماني ضربات بمسيّرات جوية استهدفت الأبيض، بالتزامن مع تعزيز الطرفين قواتهما في كردفان. ورجحت رويترز أن يكون هذا التصعيد الميدانية ردا على الخسائر الأخيرة التي منيت بها قوات الدعم السريع.
بطبيعية الحال، فإنّه من المنظور الاستراتيجي لا ينبغي النظر إلى هذا التصعيد على كونه توجها جِديّا للدعم السريع نحو الاستيلاء على الأبيض فحسب، دون استصحاب فرضية إبقاء الجيش مُضطرا للدفاع عنها، ومنعه من تحويلها إلى منصة ثابتة للإنطلاق نحو دارفور؛ والحيلولة دون تقدمه غربًا. هكذا تكون قوات الدعم السريع قد نجحت في تقليص قيمة الانتصار الذي تحقّق، حتى إذا لم تتمكن من استعادتها مدينة بارا.
جاء الهجوم الواسع للدعم السريع على منطقة جبرة الشيخ / شمال كردفان في 13 أغسطس/آب الجاري، ليعزز هذه الفرضية، رغم غياب أدِلّة مستقلة تؤكد استعادة السيطرة الفعلية على البلدة، فإن هذا التطور الميداني يعكس دلالة رئيسية مفادها أن القدرة على شن هجوم مضاد من قبل الدعم السريع لا تعني بالنتيجة استعادتها للمواقع آنفة الذكر، لكنها تكشف بالضرورة أن الجيش ما يزال غير قادرٍ - حتى الآن - عن تحويل مكاسبه العسكرية الأخيرة إلى جبهة مستقرة.
غير أنّ التطور العسكري اللافت حدث على بعد مئات الكيلومترات إلى الجنوب الشرقي من السودان، ففي 8 يوليو/تموز الماضي كان الجيش قد استعاد مدينة الكرُمُك الاستراتيجية على الحدود الإثيوبية التي سيطر عليها تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو في شهر مارس/آذار، بعد معارك عنيفة أجبرت القوات المتحالفة على الانسحاب. لكن بعد خمسة أسابيع فقط، تغيّر المشهد بصورة دراميّة.
الانتصار الحقيقي، إذن، ليس في عدد المدن التي يسيطر عليها كل طرف، وإنما في قدرته على تحويل السيطرة إلى بنية عملياتية مُستدامة
في 11 و12 أغسطس/آب الجاري، تصاعد القتال في بلدة قيسان 60 كلم شمال شرق الكُرمُك و4 كلم عن الحدود الإثيوبية؛ حيث أعلنت قوات (تحالف تأسيس) بسط سيطرتها على قيسان، قبل أن تنشر في اليوم التالي مباشرة مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي من داخل الكُرمُك معلنة استعادتها مُجددا، ما اضطر الجيش السوداني، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية)، إلى إعادة نشر قواته خارج البلدة مع تقدم تحالف الدعم السريع والحركة الشعبية–شمال.
تزامن التحرك في النيل الأزرق مع محاولة الدعم السريع إعادة الضغط في كردفان، ما يوحي أنّ العلميات التي تقوم بها ليست مُجرد رد فعل مُتعجِّلٍ على خسارتها في شمال كردفان، وإنما تشي بخطة عسكرية تستهدف إجبار الجيش على الدفاع عن البلدات التي سيطر عليها مع فتح جبهات جديدة لتشتيت قواته عليها؛ ما يُضعِف تماسكه، ويجبره على القتال في ميادين متباعدة لإنهاكه وإرهاقه.
هنا تظهر تكتيكات الدعم السريع التي تتلخص في قدرتها على تحويل اتساع الجغرافيا السودانية إلى أداة لاستنزاف الجيش، الذي يملك تفوقًا واضحًا في القوة الجوية والقيادة المركزية والقواعد؛ وذلك من خلال امتلاكه مؤسسات الدولة. لكن هذه المزايا قد تُصبِح أقل حسما عندما يضطر الجيش إلى توزيع وحداته على شمال كردفان والنيل الأزرق في وقتٍ واحد.
في المقابل، لا ينبغي المبالغة في جدوى هذا التكتيك العسكري؛ فقد أظهرت تحليل نشره مشروع بيانات وأحداث الصراعات المسلحة (ACLED)، في 13 أغسطس/آب، أن الدعم السريع يواجه بدوره قيودًا في سلاسل الإمداد وتراخيّاً في قدرته على تنفيذ عمليات متزامنة في عدة جبهات، وأن خسائره الأخيرة في شمال كردفان جاءت في وقت كان يحاول فيه استغلال موسم الجفاف قبل أن يفاقم فصل الخريف المُمطِر من صعوبة العمليات العسكرية البرية.
هكذا يواجه الطرفان المشكلة نفسها من جهتين متعاكستين: الجيش يحتاج إلى تثبيت مكاسبه، والدعم السريع تعاني من أجل استعادة زمام المبادرة دون أن تُبدّد قواتها في جبهات مفتوحة، كما حدث لها سابقاً في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار.
بناء على ذلك، يبدو القول بأنّ ميزان المواجهات العسكرية قد مال كليا لصالح قوات الدعم السريع سيكون سابقًا لأوانه؛ إذ لا يزال الجيش يمتلك أفضلية استراتيجية أوسع نطاقا من حيث السيطرة على الشرق والشمال والوسط، فضلا عن تفوقه الجوي، وتماسك قواعده العسكرية، وإمساكه بزمام مؤسسات الدولة. ما يعني أن قدرة الجيش على تثبيت مكاسبه الميدانية في شمال كردفان، سيتيح له فتح مسارات أكثر ملاءمة لممارسة الضغط على مناطق نفوذ الدعم السريع في دارفور.
لكن التعامل مع فرضية أن الجيش يتجه حتمًا إلى الحسم كحتمية؛ سيكون خطئاً مماثلًا؛ فاستعادة الكرمك وقيسان خلال وقت وجيز تعني أن الدعم السريع وحلفاؤها قادرون على إقلاق أي جبهة يظن الجيش أنه تمكن منها، ما يُضعِف الفكرة القائلة بأن كل تقدّمٍ للجيش يتحول تلقائيًا إلى مكسبٍ دائم.
تكتيكات الدعم السريع تتلخص في قدرتها على تحويل اتساع الجغرافيا السودانية إلى أداة لاستنزاف الجيش... من خلال فتح جبهات جديدة لتشتيت قواته عليها؛ ما يُضعِف تماسكه، ويجبره على القتال في ميادين متباعدة لإنهاكه وإرهاقه
الانتصار الحقيقي، إذن، ليس في عدد المدن التي يسيطر عليها كل طرف، وإنما في قدرته على تحويل السيطرة إلى بنية عملياتية مُستدامة. فإذا استطاع الجيش في الاحتفاظ ببارا وأم سيالا وجبرة الشيخ وتأمين طريق الصادرات (أم درمان–الأُبيِّضْ)، مع منع خصومه من تثبيت مكاسبهم في النيل الأزرق، فإن ذلك يجعل الكفة الاستراتيجية تميل تدريجيًا لمصلحته. أما إذا حافظت الدعم السريع على الكرمك وقيسان، وتمكّنت من الاستمرار في حصار الأُبيّض، فسوف تكون نجحت في تحويل تقدُّم الجيش في شمال كردفان إلى مكسب مُكلِّفْ (مكسب استنزاف).
الأرجح أن الحرب تتجه الآن إلى مرحلةٍ أكثر اعتمادًا على استنزاف قُدرات الخصم بدلا عن محاولة تحقيق اختراقات حاسمة. وفي هذا النوع من استراتيجيات الحروب، قد يُصبح الموقع الذي لم يسقط بعد، أهم من الذي سقط بالفعل؛ فإجبار الخصم على إبقاء آلاف المقاتلين حول هدف مُحدّد قد يحقق قيمة عسكرية أكبر من السيطرة على الهدف نفسه.
في هذا السياق، وللمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، تبدو كلا من ولايتّي كردفان والنيل الأزرق مترابطتين استراتيجيًا بهذا الوضوح؛ فالجيش يريد أن يحوِّل نجاحه في شمال كردفان إلى ممّرٍ مفتوح نحو دافور، بينما تحاول الدعم السريع أن تجعل ثمن ذلك جبهة مشتعلة وقابلة للإستخدام اللوجستي في الجنوب الشرقي.
بالنتيجة، فإنّ الوضع العملياتي الراهن لا يشير إلى انقلاب ميزان القوى لصالح طرف دون الآخر، بل إلى انتقال طبيعة الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيدًا؛ فالجيش ما زال يملك أفضلية استراتيجية عامة، لكن الدعم السريع بدأت تثبت – مع مرور الوقت - أنها قادر على إفساد نتائج العمليات العسكرية الناجحة للجيش؛ عبر نقل مراكز الضغط إلى جبهات أخرى. وإذا استمر هذا النمط، فلن يكون المنتصر هو الطرف الذي سيسطر على أكبر عدد من المواقع، بل الذي يستطيع إجبار خصمه دفع ثمن كل كيلومتر يتقدم فيه.
إنّ المرحلة التي تُحدّد مستقبل الحرب، ستخضع للمعادلة التالية: "المُنتصر في الحرب ليس من يربح المعركة الحالية، بل من يملك القدرة على خوض المعركة التالية دون أن تنهار شبكته اللوجستية أو تتفرق قواته أيدي سبأ".