الأربعاء 19 أغسطس 2026
ما بين السودان وتشاد وفرنسا، أنجز الأكاديمي والروائي والمترجم السوداني الدكتور عاطف الحاج سعيد، عددا من الأعمال الإبداعية والترجمات والبحوث الأكاديمية في اللغويات التطبيقية، تناول في أعماله الروائية قضايا الهجرة واللجوء والانتماء والتعدد الثقافي. فازت رواياته بعدد من الجوائز: عاصف يا بحر- جائزة الطيب صالح للرواية 2016، نورس يهجره السرب أو شمسان على النيل- جائزة توفيق بكار للرواية العربية 2022؛ وبجائزة إيطالية، وغراميات استثنائية فادحة (2023) بمنحة الصندوق العربي للثقافة والفنون، وحصل على إقامات ترجمة عديدة في أوروبا. يقيم هذه الأيام في معتزل للترجمة بمدينة آرل الفرنسية في منحة لإنجاز الترجمة العربية لرواية "بيت الألف وزغ" للروائي التشادي السويسري نويل نجيكيري، التقته جيسكا للحديث حول إقامته، وعن الترجمة وهمومها، فكان هذا الحوار:
عاطف الحاج سعيد: أتفق معك، تعتمد الترجمة الأدبية على عاملين حاسمين: قدرة المترجم على الفهم العميق لما يريد الكاتب في اللغة الأصل أن يقوله وقدرته على التعبير الأدبي في لغته الأم، وكلا العاملين يحتاجان إلى دربة طويلة عفوية؛ أي أن يكون المترجم شغوفا بالقراءة منذ وقت مبكر من حياته مما يمنحه الكفاءة الأدبية، فالأدباء أكثر قدرة على إنجاز ترجمات عالية الجودة لأن قدرتهم على التعبير الأدبي أعلي بحكم ممارستهم للكتابة الأدبية وإلمامهم بطرائق متنوعة للتعبير تتجاوز الصياغات اللغوية المستهلكة والجملة الجاهزة.
عاطف الحاج سعيد: لا تنطوي ترجمة عمل أدبي فقط على إيجاد المعادل اللغوي في اللغة الأم للعبارات والجمل والفقرات، بل قبل ذلك على استيعاب عميق للبنية الشكلية والمضمونية للنص في لغته الأصلية، واتصال بهذا العمق مع النص الأصل لن يمضي بالطبع دون أن يترك أثرا في المترجم، وهو أثر إيجابي بالطبع. تستهلك الترجمة مني وقتا كبيرا، يتضمن قراءة مجموعة من النصوص التي أرشح بعضها لدور النشر، ثم يأتي بعد ذلك الجانب الإداري المتعلق بالعقود والحقوق، ثم أخيرا الانخراط في عملية ترجمة النص ضمن آجال متفق عليها، العملية لا تتم بهذه السلاسة التي أصفها هنا، بل هي عملية طويلة ومضجرة، وفي كثير من الأحيان، بعض المشاريع تتعثر قبل اكتمالها، ولا أحد يعوض المترجم زمنه الذي أنفقه في هذه المرحلة التحضيرية.
يتيح هذا النوع من الدعم فرصة للآداب الفرانكفونية بأن تنتشر في مساحات أوسع متجاوزة عقبات التمويل وصعوبات النشر لاسيما في أقاليم العالم التي يتراجع فيها الاهتمام بالترجمة والنشر بسبب صعوبات اقتصادية وسياسية
حاليا، تأخذ الترجمة كل وقتي تقريبا، ولا أجد وقتا أخصصه لتطوير نصوصي الإبداعية، أعمل على نص روائي منذ أكثر من ثلاثة أعوام، تفرغت له أثناء إقامتي في معتزل مؤسسة جان مشيالسكي للأدب والكتابة في سويسرا مطلع هذا العام، ومنذ خروجي من هذا المعتزل لم أتمكن حتى أن ألقي نظرة على ما أنجزته. تمثل الترجمة حاليا أحد مصادر رزقي الرئيسية فلا يزعجني أنها تستأثر بكل الوقت، فللفواتير أحكامها..!
عاطف الحاج سعيد: أرى بصورة شخصية أنه ثمة إشكالية في نسبة أعمال الكتاب من أصول عربية الذين حصلوا على جائزة الجونكور الرفيعة إلى الأدب العربي، أي المكتوب باللغة العربية. كل الذين حصلوا على الجونكور، ومنهم: طاهر بن جلون وأمين معلوف وليلى سليماني وكامل داود، توضع كتاباتهم ضمن الأدب الفرنسي، بما أنهم يكتبون بالفرنسية ويعيشون في فرنسا وحاصلون على الجنسية الفرنسية، ربما عالجوا في أعمالهم السردية موضوعات تتعلق ببلادهم العربية الأصلية، لكن ذلك لن يجعل أدبهم عربيا، كذلك الكتاب الأفارقة من أمثال محمد مبوغار سار، فهل يمكن اعتبار الكاتب الفرنسي لو كليزيو، الحاصل على نوبل، سودانياً لأنه استلهم جزءاً من تاريخ مملكة مروى السودانية في روايته (أونيتشا)؟!
الأدباء أكثر قدرة على إنجاز ترجمات عالية الجودة لأن قدرتهم على التعبير الأدبي أعلي بحكم ممارستهم للكتابة الأدبية وإلمامهم بطرائق متنوعة للتعبير تتجاوز الصياغات اللغوية المستهلكة والجملة الجاهزة
واقع الأدب الأفريقي أو العربي المترجم للغة الفرنسية ليس على ما يرام، قليل جدا من الأعمال المترجمة للفرنسية تصادف نجاحا، وهو ما شكى منه فاروق مردم بك، رائد نشر الأدب العربي المترجم إلى الفرنسية عقب تأسيسه لدار آكت سود، ومقرها الرئيسي يقع – يا للمصادفة - في مدينة آرل التي أقيم فيها حاليا، وتبقى مقولته المؤلمة عالقة في الذاكرة "نجاح كتاب عربي مترجم إلى الفرنسية هو محض مصادفة".
عاطف الحاج سعيد: تقوم فلسفة هذا المحترف على تشجيع الترجمة الأدبية عبر تقديم الدعم للمترجمين الأدبيين الذين يعملون، في الغالب، في ظروف قاسية تتمثل في ضعف أجور الترجمة الأدبية (ليس في أوروبا الغربية)، ومشقة عملية الترجمة التي تستغرق وقتا طويلا، والعمل في بيئة معزولة غالبا، فالترجمة الأدبية هي من بين أكثر المهن عزلةً.
يتمثل الدعم في تقديم منح مالية واستضافة في سكن تتوفر فيه ظروف عمل مناسبة، وإتاحة الفرصة للمترجم للالتقاء بمترجمين آخرين يعملون بين الفرنسية ولغات أخرى بهدف تخفيف وطأة العزلة، وتوفير فضاء للمثاقفة وتبادل الخبرات عبر الحوارات المباشرة العفوية التي تتم في المساحات المشتركة للمعتزل (المطبخ، الصالون، الشرفة)، بالإضافة لإتاحة الفرصة للمترجم للتشبيك. بالطبع يتيح هذا النوع من الدعم فرصة للآداب الفرانكفونية بأن تنتشر في مساحات أوسع متجاوزة عقبات التمويل وصعوبات النشر لاسيما في أقاليم العالم التي يتراجع فيها الاهتمام بالترجمة والنشر بسبب صعوبات اقتصادية وسياسية.
عاطف الحاج سعيد: لا توجد آليات اختيار معقدة، ينبغي أن تكون مترجماً أدبياً سبق أن نشر، نشراً مهنياً وليس ذاتياً، ترجمات أدبية من الفرنسية إلى أي من لغات العالم أو العكس، وأن يكون لديك مشروع ترجمي تعمل عليه بالتنسيق مع دار نشر، في حالتي، عربية، ثم تتقدم بهذا المشروع ضمن الآجال المعلنة. تقوم بدراسة الملفات جمعية ترقية الترجمة الأدبية (ATLAS)، التي تشرف على إدارة المعتزل، ثم تختار ما ترى أنه مثير للاهتمام.
عاطف الحاج سعيد: حصلت على منحة الإقامة في هذا المعتزل عقب تقدمي بمشروع لترجمة رواية "بيت الألف وزغ" للكاتب نويل نجيكيري، وهي الترجمة الثانية لعمل له، فالأولى كانت لرواية "لا قوس قزح في الجنة"، التي حظيت باستقبال جيد جداً من قراء العربية. رغم أن نجيكيري يقيم في سويسرا منذ أكثر من أربعين عاماً إلا أن رواياته ظلت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً ببلده الأصلي تشاد، وأظن أن ذلك كان قراراَ ذكياً منه لأنه يكتب عن مكان يعرفه، ويتمثله شعورياً ويحنّ إليه، ولأن الغربة الطويلة مكنته من تأمل الواقع التشادي من خارجه، بعيداً عن التفاصيل اليومية المشتتة للذهن، قدم نجيكيري للقارئ الغربي، وللقارئ العربي بعد الترجمة، ثقافة جديدة ورؤية للحياة تختلف كثيراً عن رؤية الأوربيين لها، كما قارب سردياً مسألة الاستعمار الغربي لبلاده ومسؤوليته عن الوهن الذي يضرب بلاده حالياً في جميع مفاصلها، كما استدعى تاريخ العبودية في بلاده المرتبط ببلدان المشرق العربي والسودان.
تمثل الترجمة حاليا أحد مصادر رزقي الرئيسية فلا يزعجني أنها تستأثر بكل الوقت، فللفواتير أحكامها..!
جاء اختياري لترجمة أعمال نجيكيري ضمن مشروع ترجمي طموح أعمل عليه حاليا، بالاشتراك مع دار الريس في الشارقة ودار بوكتينو في الرياض ينطوي على ترجمة أعمال من الآداب الفرانكفونية الأقل ثمثيلاً في اللغة العربية، وتضم الأدب الفرانكفوني في كل من سويسرا وبلجيكا ولوكسمبورج وغرب ووسط أفريقيا وكندا، نُشِرت منه حتى الآن ترجمتين الأولى "لا قوس قزح في الجنة" في 2025 والثانية رواية "ينبغي اخفاء كل شيء" للكاتب اللوكسمبورجي جيروم كيكيريه في 2026، وأتوقع أن تنشر "بيت الألف وزغ" للسويسري نجيكيري نهاية 2026، وأنتظر أن أنشر في 2027 رواية "داخل الخرطوم المحاصرة" للروائي السويسري إتيان بارلييه، التي سأبدأ العمل عليها نهاية سبتمبر/أيلول القادم في مستهل إقامتي في معتزل كلية لوورين للمترجمين الواقعة في بلدة بالقرب من زيورخ في سويسرا.
عاطف الحاج سعيد: ترجمتُ للكاتبة الفرنسية آن بوريل أربع روايات هي (حانة جران مدامز- 2023)، و(غواية الثلج- 2024)، و(ملك النهار والليل- 2024) التي أكملت ترجمتها ضمن إقامتي الترجمية في باريس التي مولها المركز الوطني للكتاب، و(تاكوياكي- 2025)، وجاءت هذه الترجمات ضمن مشروع لتعريف قارئ العربية بالرواية السوداء ورهاناتها - التي برزت فيها آن بوريل- بوصفها نوعاً أدبياً غير مطروق كثيراً في الأدب العربي يتركز على معالجة قضايا الجريمة والعنف والمجتمع في إطار سردي لا ينهض على حبكة بوليسية.
عاطف الحاج سعيد: أنك تصير أكثر اعتيادا على عوالمه السردية وأسلوبه وتقنياته الكتابية، مما يجعل الترجمات اللاحقة لأعماله أكثر سهولة وسلاسة وتجويداً.
عاطف الحاج سعيد: المشاريع والجوائز التي ذكرتها تعمل وفقاً لآليات مختلفة لدعم عملية الترجمة، إلا أنها ساهمت جميعها بالطبع في بعث حركة الترجمة في افريقيا و العالم العربي، بتكريمها للمترجمين عبر الاعتراف بمنجزهم، وعلى تحفيزها للمترجمين إلى اللغات الأخرى لترجمة الآداب الأفريقية وأمهات الكتب العربية التي ساهمت في الحضارة الإنسانية، وأؤكد لو لا هذه المبادرات لظل إنتاجنا المعرفي والأدبي حبيس دائرتنا الجغرافية، فعملية الترجمة مكلفة جداً لا سيما إلى اللغات الأوروبية لأن المترجمين إليها يتقاضون أجراً مرتفعاً تسنده تشريعات صارمة.