تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 19 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
حوارات

الروائي الليبي إبراهيم عثمونة: خطاب الكوني "إثني" ومتعال.. والرواية الليبية لم تستوعب "زلزال 2011" بعد

20 يوليو, 2026
الصورة
الروائي الليبي إبراهيم عثمونة: خطاب الكوني "إثني" ومتعال.. والرواية الليبية لم تستوعب "زلزال 2011" بعد
Share

قال الروائي الليبي إبراهيم عثمان عثمونة إن التحولات التي شهدتها ليبيا عام 2011 كانت حدثًا "مهيبًا وجذريًا" أعاد ترتيب أولوياته، ودفعه إلى التفرغ للكتابة، معتبرًا أن الرواية الليبية ما تزال تحاول استيعاب ذلك الزلزال التاريخي، وأن كثيرًا مما كُتب عنه لا يزال أقرب إلى "انفعال اللحظة" منه إلى "وعي التاريخ".

في هذا الحوار، يتحدث عثمونة عن فلسفته في الكتابة وعلاقته بالمكان، ورؤيته لمستقبل الرواية الليبية والنقد الثقافي، كما يتوقف عند تجربته الروائية التي بدأت بأعمال مبكرة مثل: "بلقاسم" و"ضد" و"طريق آخر إلى الجنة"، قبل أن يرى أن رواية "الممر" (2018) تمثل منعطفًا ناضجًا في تجربته، تلتها رواية "نساء في الشمس" (2024) التي تستعيد مرحلة تاريخية من منطقة البوانيس بين عامي 1924 و1928، في مزج بين الوثيقة التاريخية والخيال الأدبي.

كما يتحدث عن اهتمامه بتوثيق ذاكرة المكان في الجنوب الليبي، خاصة مناطق سمنو والزيغن وتمنهنت، ومشاركاته الثقافية في جامعتي سبها وفزان، إلى جانب مشروعه الروائي الجديد "الضوضاء".

جدد عثمونة خلال الحوار انتقاده للروائي الليبي إبراهيم الكوني، معتبرًا أن حديثه عن ليبيا بوصفها "شعوبًا" لا "شعبًا" ليس مجرد زلة تعبير، بل يعكس تصورًا فكريًا، وقال إنه ناقش الكوني من منظورين سياسي وأخلاقي، منتقدًا ما وصفه بخطابه الإثني وبنزعة التعالي التي بدت في بعض مواقفه.

يرى عثمونة أن أزمة المشهد الثقافي العربي لا تكمن في غياب النقاد بقدر ما تكمن في ضعف تقبل النقد، معتبرًا أن المجتمعات التي ترفض مساءلة رموزها تُبقي نفسها أسيرة الماضي، وأن الكاتب، مهما أعلن استعداده لتقبل النقد، يظل جزءًا من هذه الإشكالية.

نص الحوار

مصعب محمد علي: قلتَ في أحد حواراتك إنك تكتب لإمتاع نفسك لا لتغيير العالم. لكن أليست المتعة نفسها موقفًا من العالم، وربما شكلًا من أشكال مقاومة قسوته؟

إبراهيم عثمان عثمونة: نعم، لأمتع نفسي، وربما كان ذلك قصورا وليس ميزة. فأن تكتب الأقلام في مسعى حثيث لتغيير العالم، وأنت، يا إبراهيم، تكتب لتستمتع، لهو أمرٌ مُخجل. لكن الذي يعزيني، ويخفف عني خجلكم أنني أستمتع فقط بكتابة ما أنا مهمومٌ به. بمعنى أنني، إذا كنتُ، مثلًا، مهمومًا بالتهميش المستمر لجنوب ليبيا، فلا أجد ما هو أكثر متعةً من الكتابة عنه، مما قد يؤكد الاستنتاج الذي سقته حضرتك في ذيل السؤال. فنحن ندفع بمتعة الكتابة قسوة الحياة، أو نُدفع بمتعة الكتابة إلى الكتابة عن قسوة الحياة.

مصعب محمد علي: ذكرتَ في حديث سابق لك أن قرية "سمنو" تحمل إجابات أسئلتك الوجودية والفلسفية. فما الذي يجعل مكانا صغيرا قادرا على احتواء أسئلة الإنسان الكبرى؟

إبراهيم عثمان عثمونة: ذلك، بكل بساطة، لأن الأسئلة والإجابة معًا يولدان من رحم المكان نفسه، تمامًا كما أن كل سؤال يحمل في ثناياه إجابته. لكن هذا لا يعني أن قوة الأسئلة وغزارتها، حين تختلف من مكان إلى آخر، تُعزى إلى أن مكانًا أقوى من مكان، لا، لا. بل لأن الذين مروا بالمكان أقوى وأكثر غزارةً من غيرهم. لذا يمكنني القول: لو أن شخصًا آخر مرَّ بسمنو، لأمكنه توليد أسئلة وإجابات أقوى من تلك التي أسوقها أنا هنا.

مصعب محمد علي: لماذا جاء قرار التفرغ للكتابة بعد عام 2011 تحديدًا؟ وهل كانت التحولات السياسية دافعًا، أم أنها مثلت فرصة لإعادة تعريف مشروعك الأدبي؟

إبراهيم عثمان عثمونة: لا أخفيك أنني أحببتُ عام 2011، بصرف النظر عن رأيي السياسي. فرغم كل مآسيه ونتائجه، أعتبر أن الأجيال التي رحلت قبله، والأجيال التي لم تولد بعد، هي أجيال فاتها عامٌ قد لا يتكرر في ليبيا قبل مائة عام أخرى. وهذا لا يعني أن ما فاتهم كان أمرًا جيدًا، لكنه كان عامًا مهيبًا وجذريًا، يطيح ويقتلع ويحطم ويدحرج الأشياء أمامه إلى ما لا نهاية.

فكان لا بد لشخص يحمل هذه المشاعر، التي قد لا تكون دقيقة، لكنها قادرة على إقناع صاحبها بأن كل الأشياء في حضرة ذلك العام تبدو تافهة، أن يتفرغ ليعيد ترتيب أولوياته، ويستبدل أدواته المعيشية؛ فما قبله حياة، وما بعده حياة أخرى.

مصعب محمد علي: إن كان عام 2011 حدثًا "مهيبًا وجذريًا" أعاد ترتيب أولوياتك، وقلتَ إنه قد لا يتكرر في ليبيا قبل مائة عام، فبعد أكثر من عقد على ذلك، هل تشعر أن الرواية الليبية استطاعت أن تستوعب هذا الزلزال التاريخي، أم أننا ما زلنا نكتب عنه بانفعال اللحظة أكثر مما نكتبه بوعي التاريخ؟

إبراهيم عثمان عثمونة: سؤالٌ مهم، وقد لا أبالغ لو قلتُ لك إنني، حاليًا، قد أجيبك بانفعال اللحظة. أتصور أن الحدث أكبر منا. ومرحلة الأربعين تمكنت من اقتلاعنا من جذورنا، رغم أنها تدعي الجذور. أشعر أحيانًا بالخيبة، وبمستقبل خذلنا، وماضٍ اغتالنا. وما نحن اليوم، مثقفين وعامةً، إلا حشدٌ يُجسد مصير شعب بلا جذور، تارةً على هذه الجهة، وتارةً على الجهة الأخرى، بحسب الظروف.

مصعب محمد علي: سبق أن اتهمتَ إبراهيم الكوني بأنه تحدث عن ليبيا باعتبارها "شعوبًا" لا شعبًا واحدًا. هل ترى أن ذلك مجرد زلة تعبير، أم أنه يعكس رؤية فكرية تختلف معها جذريًا؟

إبراهيم عثمان عثمونة: لا، لا أراه زلة لسان، بل مشروعا، ولا أظنه يُنكر ذلك.

مصعب محمد علي: وهل كنت هنا تناقش الكوني روائيًا، أم كنت ترد عليه سياسيًا وأخلاقيًا؟

إبراهيم عثمان عثمونة: في بالي أنك تشير إلى المقالة التي كتبتها ونشرتها على صفحتي بعنوان "أنزل يا رجل"، عقب استضافة الكوني، عبر الأثير، في موسم ليبيا الثقافي. والواقع أنني أناقشه سياسيًا وأخلاقيًا معًا؛ إذ لم يُخفِ خطابه الإثني، ولم يرق لي، ساعة بدا متعاليًا بفخامة الأب الروحي، لا بتواضع كاتب الرواية.

مصعب محمد علي: هل ترى أن تضخم الأنا لدى بعض المثقفين قد يحجب قيمة أفكارهم، مهما كانت عميقة؟

إبراهيم عثمان عثمونة: لا أعرف إن كنتَ تتصور عملية الحجب بوصفها عمليةً داخليةً تتم بين الكاتب وقلمه، أي أن التضخم يتدخل في الملكة الإبداعية ويعبث بها أو يقلل من قوتها، أم تقصد بالحجب عمليةً خارجيةً تتم بين الكاتب والمتلقي؟ وأيًا يكن الأمر، فالتضخم ليس ضخامةً، بل حالةٌ مرضيةٌ لذيذة لا تخدم صاحبها.

مصعب محمد علي: متى تشعر أن الرواية اكتملت بالنسبة لك؟ هل عندما تنتهي من كتابتها، أم عندما يقرأها الآخرون؟ وهل سبق أن قادتك الكتابة إلى اكتشاف أشياء عن نفسك لم تكن تعرفها؟

إبراهيم عثمان عثمونة: دعني أخبرك أنني حديث العهد بالكتابة، وربما إلى الآن لا أرى في نفسي روائيًا قادرًا على نسج عمل مكتمل، خاصةً إذا أطلعتك على أنني لا أُحضِّر كما يُحضِّر أولئك الذين يخططون لأعمالهم، ولا أعيش مع شخوص رواياتي كما يعيش كبار الكُتّاب.

كل ما يحصل معي أنهم يسيطرون عليَّ أثناء الكتابة، التي أجلس إليها في أول النهار، ثم بعدها أتركها وأتركهم، على أن أعود إليهم في صباح اليوم التالي. وأنا هنا لا أتركهم، أو أُبقيهم حيث هم، عن قصد، بل أجد نفسي كما لو أنني مللت الجلوس معهم.

بل يحدث أحيانًا أن يلاحقوني بعد ذلك، لكن حضورهم لا يكون طاغيًا، وإنما أشبه بموسيقى تُشرِّد بي قليلًا عن المكان.

أما نشر العمل وقراءته لاحقًا، فهو أمر مختلف، أو هو أمر منفصل عن الكتابة، وعن تلك اللحظة الإبداعية التي تُبقيني في تمطيطٍ للصبر؛ فبدلًا من ساعة جلوس، أجدها ثلاثًا أو أربع ساعات، لأكتشف، وأنا القلق بطبعي، أن في داخلي كميةً من الصبر ما كان لي أن أكتشفها لولا كتابة الرواية. حتى إذا استنفدتُ الفكرة في النص، يكون ذلك بموازاة الكمية المتبقية من الصبر.

مصعب محمد علي: مؤخرًا برزت أسماء كثيرة تنتمي إلى جنس الرواية. فهل أصبحت الرواية اليوم ديوان الليبيين بعد تراجع الشعر؟

إبراهيم عثمان عثمونة: أتصور أن سيادة العامة، والأغلبية، والعموم، من طبيعة هذا العصر. والشعر، كما يُقال عنه، أدب النخبة؛ لذا فمن غير المستغرب أن نشهد تراجعًا له أمام آدابٍ أخرى، كالرواية.

مصعب محمد علي: هل أنصف النقد العربي والليبي الرواية الليبية، أم ما زال يركز على الأسماء المعروفة فقط؟

إبراهيم عثمان عثمونة: دعني أقول لك إنني، وبرأيي المتواضع، لا أرى حركةً نقديةً نشطةً في منطقتنا، من المحيط إلى الخليج. وليس ذلك لأنه لا يوجد نقاد، بل لأننا نرفض النقد ونراه خصمًا.

أتصور أننا لم نعِ بعد قيمة الناقد، الذي يُشبه ميكانيكيًا ماهرًا يثبت مصباحًا على مقدمة سيارتنا. وأنا هنا لا أتحدث فقط عن نقاد الأدب، بل عن النقد بالمجمل.

حتى إنك قد تتعرض إلى الضرب المبرح لو وقفت في ميدان التحرير بالقاهرة وقلت إن أم كلثوم ليست كوكب الشرق!

هذا التفخيم، الذي تسرَّب إلينا من إخوتنا المصريين، يحجب الرؤية، ويُبقينا دائمًا حيث نحن؛ فالشعوب والأمم التي لا تروم النقد، لا يرومها الغد.

مصعب محمد علي: ألا ينطبق هذا أيضًا على الوسط الثقافي الليبي؟ وهل ترى أن الكُتّاب أنفسهم يتحملون جزءًا من مسؤولية غياب حركة نقدية حقيقية، لأنهم يريدون الاحتفاء أكثر من المساءلة؟

إبراهيم عثمان عثمونة: حتى لو افترضنا أن الكاتب لم يتنصل من مسؤولياته، وأبدى روحًا سمحةً تتقبل النقد، ويتحمل المسؤولية، فلا أتصور أن له دورًا مهمًا، أو قدرةً حقيقيةً على التأثير في الشارع. فما بالك إذا كان متنصلًا ومحتفيًا بنفسه، كما وصفته؟ وما أبرئ نفسي.