تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 19 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
حوارات

الشاعر الباكستاني شاهد عباس: لطالما أثار الأدب الأفريقي إعجابي

25 يوليو, 2026
الصورة
الشاعر الباكستاني شاهد عباس: لطالما أثار الأدب الأفريقي إعجابي
Share

شاهد عباس من الشعراء الباكستانيين الشباب الذين لهم دور كبير في الحوار الثقافي بين الشعوب، يكتب بالإنجليزية، وشارك في أنطولوجيات ومجلات شعرية عالمية، وترجمت بعض أشعاره إلى العديد من اللغات، من أشهر دواوينه الشعرية: "كلمات من الطبيعة" (words from nature)، و"أبيات من ميراكاي" (Verses from Meraki). مثّل باكستان في مهرجانات وفعاليات أدبية دولية في بلدان متعددة، منها الولايات المتحدة والبرتغال وكولومبيا والمكسيك، يميل في شعره إلى الاحتفاء بالطبيعة، والمزج بين النزعة التأملية والبعد الإنساني. التقته جيسكا فكان هذا الحوار حول الفضاءات الثقافية المشتركة بين أفريقيا وآسيا وأصداء الأدب الأفريقي في باكستان

نص الحوار
معتصم الشاعر: في عصر حركات التحرر، كان الوعي المشترك بعمق العلاقةِ والمصيرِ المشترك بين أفريقيا وآسيا في عنفوانه. في السودان، ما زلنا نردد قصيدة شاعرنا الدكتور تاج السر الحسن "أنشودة لأفريقيا وآسيا" والتي عبرَّت بصدق عن روح مؤتمر باندونغ 1955، والذي كان نواةً لتأسيس منظمة التضامن بين الشعوب الأفريقية والآسيوية (AAPSO)، لكن تلك الروح بدأت تفقد حيويتها، ربما بتأثير العولمة، إلى ماذا يطمح شاهد عباس في مستقبل التبادل الثقافي بين شعوبنا التي تربطها علاقات قديمة وبينها الكثير من المشتركات؟

شاهد عباس: ما أتمنى رؤيته في المستقبل، لا يقتصر على برامج التبادل الثقافي الرسمية بين الدول، بل يمتد إلى حركة أكثر طبيعية وحيوية بين الأفراد أنفسهم: شعراء يترجمون لشعراء، وطلاب يقرأون بلغات وثقافات مختلفة، ومشروعات فنية مستقلة تتجاوز الأطر الحكومية التقليدية. فكثيرًا ما تخلق هذه المبادرات الهادئة فهمًا أعمق وأبقى أثرًا من المبادرات الرسمية الكبرى. فالثقافة، في نهاية المطاف، ليست مجرد جسر بين الشعوب، بل هي إحدى الطرق التي يتعلم بها البشر الإصغاء إلى بعضهم بعضًا، وفهم اختلافاتهم، واكتشاف ما يجمعهم في آن واحد.

معتصم الشاعر: رغم فوز طاغور المبكر بجائزة نوبل للآداب (1913)؛ والفوز المتأخر لوول سوينكا بذات الجائزة (1986)، إلا أن هذين الحدثين لم يجعلا العالم يلتفت بجدية إلى الأدبين الأفريقي والآسيوي، هل تعتقد أننا بحاجة إلى مبادرات أدبية وثقافية جديدة تكسر الهيمنة الغربية على الاعتراف الأدبي العالمي؟

شاهد عباس: كان فوز رابندرانات طاغور بجائزة نوبل حدثًا مفصليًا في تاريخ الأدب، لكنه لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دليلا على أن الأدب الآسيوي حُظي، منذ ذلك الحين، باعتراف عالمي مستدام. فبعد أكثر من قرن، ما يزال المشهد الأدبي الدولي يعكس اختلالات واضحة في موازين التمثيل والاعتراف، فآسيا تحتضن بعضا من أعرق التقاليد الأدبية في العالم وأكثرها ثراء وتنوعًا، ومع ذلك لا يزال كثير من أبرز شعرائها وكتّابها المعاصرين غائبين عن المشهد الأدبي العالمي، وهي الملاحظة نفسها التي طالما عبّر عنها كتّاب من أفريقيا ومناطق أخرى من الجنوب العالمي.

في رأيي، لا تكمن المشكلة في الجوائز الأدبية وحدها، بل في البُنى التي تنتقل الأدب من خلالها إلى العالم. فالترجمة، وشبكات النشر، والمؤسسات الأكاديمية، والحضور الإعلامي، والنفوذ الثقافي، جميعها عوامل تحدد أي الأصوات تحظى بالاعتراف الدولي. لذلك، فإن التميز الأدبي وحده لا يكفي دائمًا لضمان الحضور العالمي، ولهذا أرى أن إطلاق مبادرات أدبية وثقافية جديدة ليس ضرورة فحسب، بل هو أيضا استجابة تفرضها المرحلة الراهنة. غير أن الهدف من هذه المبادرات ينبغي ألا يكون الدخول في مواجهة مع الغرب، بل توسيع آفاق الأدب العالمي نفسه، فلا ينبغي لأي مؤسسة أو تقليد ثقافي واحد أن يحتكر موقع البوابة الوحيدة المؤدية إلى الاعتراف الأدبي الدولي.

معتصم الشاعر: ما هي طبيعة المبادرات التي تقترحها لكسر ذاك الاحتكار؟

شاهد عباس: أرى أن الأولوية الأكثر إلحاحًا تتمثل في الاستثمار في الترجمة الأدبية، ففي كل عام تبقى أعمال استثنائية حبيسة لغاتها الأصلية، لا لأنها تفتقر إلى القيمة الفنية، بل لأنها لا تجد سبيلًا إلى الوصول إلى قراء أوسع. فالترجمة ليست مجرد عملية لغوية، وإنما هي الجسر الذي تتلاقى عبره الحضارات في إطار من الفهم والاحترام المتبادلين. ولا يقل أهمية عن ذلك بناء شراكات أدبية أقوى بين آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، من خلال إعداد مختارات أدبية مشتركة، وتوسيع برامج التبادل الأكاديمي، وإصدار مجلات متعددة اللغات، وتنظيم مهرجانات أدبية، وإنشاء جوائز دولية مستقلة. فمثل هذه المبادرات من شأنها أن تخلق حركة أكثر توازنًا لتداول الأفكار، وأن تتيح للتميز الأدبي أن ينبثق من مراكز ثقافية متعددة، بدلًا من أن يظل محصورًا في مركز واحد مهيمن، وفي نهاية المطاف، لا يتمثل الهدف في استبدال مركز نفوذ بآخر، بل في بناء عالم أدبي تعددي بحق، تُمنح فيه كل لغة، وكل ثقافة، وكل حضارة، فرصة الإسهام في تشكيل التراث الفكري المشترك للإنسانية. فالأدب العالمي يبلغ أسمى تجلياته، ليس حين يتدفق الاعتراف من اتجاه واحد، بل حين تتاح لكل صوت أصيل فرصة أن يُسمَع، ويُترجَم، ويُقدَّر.

معتصم الشاعر: بوصفي إنسانا يعيش بين ثقافتين: عربية وأفريقية، كثيرا ما أشعر بأن ثمة نمطا معينا يحكم انفتاح العرب على الآداب الآسيوية والأفريقية، ولا سيما آداب الشعوب المسلمة التي تحتفظ أيضًا بصلات وثيقة باللغة العربية، كذلك لا يحفل الكثير من المبدعين الأفارقة بإتاحة أعمالهم باللغات المحلية أو العربية، فعيونهم دائما إلى الضفة الشمالية من العالم، وربما يحدث هذا في آسيا أيضا، ويبدو لي أن الحوار الثقافي غالبا ما يُختزل إلى حوار بين بقعة تشعر بالتهميش الثقافي والغرب كمركز؛ بدلا من أن يكون حوارا منفتحًا على جميع شعوب العالم وثقافاته. كيف تنظر إلى هذه الظاهرة؟ وهل تعتقد أنها حدّت من إمكانات قيام حوار ثقافي أكثر ثراءً وتوازنًا؟

شاهد عباس: أعتقد أن كل حضارة تمر بمراحل تتجه فيها بوصلتها الفكرية نحو مراكز معينة للتأثير. ولا شك أن الحوار الذي أقامه العالم العربي مع الغرب أفرز تبادلات أدبية وفلسفية مهمة، غير أن الانفتاح الثقافي، حين ينحصر في اتجاه واحد، يفضي، بصورة لا مفر منها، إلى تضييق آفاق الاكتشاف المتبادل، ومن الناحية التاريخية، لم يكن العالم العربي جسرا يربط بين حضارتين فحسب، بل كان ملتقىً لحضارات متعددة. فمن خلال حركة الترجمة، والبحث العلمي، والتبادل التجاري، وصل بين ثقافات امتدت من الأندلس إلى آسيا الوسطى، ومن بلاد فارس وشبه القارة الهندية إلى أفريقيا وما بعدها.

لا تزال تلك الروح التعددية تمثل واحدة من أبهى الصفحات في تاريخ الحضارة الإنسانية، وأرى أنها إرث حضاري جدير بأن يُبعث من جديد. وبوصفي كاتبًا باكستانيًا، فإنني لا أنظر إلى الأدب بوصفه ميدانًا للتنافس بين الثقافات، بل باعتباره سعيًا إنسانيًا مشتركًا إلى الحقيقة. فآسيا وأفريقيا ليستا مجرد منطقتين جغرافيتين، وإنما هما خزانتان للفكر الفلسفي العميق، والتقاليد الروحية، والسرديات الشفوية، والخيال الشعري. ومن ثم فإن الأصوات الأدبية الصادرة عنهما تستحق اهتمامًا أوسع، لا لأنها تبحث عن اعتراف من الآخرين، بل لأنها توسّع فهمنا للإنسانية نفسها.

لا شك أن انفتاحا أعمق على الآداب الآسيوية والأفريقية وغيرها من التقاليد الأدبية التي لم تنل ما تستحقه من حضور، كفيل بأن يمنح الحوار الثقافي مزيدا من الثراء والعمق. وهذا لا يستدعي استبدال حوار بآخر، وإنما يتطلب توسيع دائرة الحوار، بحيث تتاح لكل ثقافة فرصة أن تعبّر عن نفسها، وأن تجد في المقابل من يصغي إليها.

تظل الترجمة حجر الأساس لهذه الرؤية، لكنها لا تكفي وحدها؛ إذ ينبغي أن ترافقها مشروعات نشر مشتركة، ومهرجانات أدبية، وشراكات أكاديمية، وتبادل فكري مستدام. فمثل هذه المبادرات تتيح للأدب أن يعبر الحدود، وتمكّن الثقافات من أن تتلاقى بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو علاقات الهيمنة، خلاصة القول، لا ينبغي للأدب العالمي أن يدور حول محور ثقافي واحد، بل ينبغي أن يشبه كوكبة من النجوم، تسهم فيها كل لغة، وكل تقليد، وكل حضارة، بنورها الخاص. سيكون مستقبل الثقافة العالمية أكثر ثراءً، لا حين يهيمن صوت واحد، بل حين تتاح لكل صوت أصيل فرصة الإسهام في الحوار الإنساني المشترك.

معتصم الشاعر: ماذا قرأت من الأدب الأفريقي؟ ومن هم الأدباء الأفارقة الأكثر شهرة وانتشارًا في باكستان؟ وهل لاحظت سمات مشتركة أو نقاط التقاء بين الأدبين الباكستاني والأفريقي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي تكشفه هذه القواسم المشتركة عن التجربتين الأدبية والتاريخية في المنطقتين؟

شاهد عباس: لطالما أثار الأدب الأفريقي إعجابي، لأنه يمتلك قدرة استثنائية على تحويل التاريخ المحلي إلى تجارب إنسانية ذات أفق كوني. ومن بين الكتّاب الذين قرأت لهم بإعجاب كبير: تشينوا أتشيبي، ونغوغي وا ثيونغو، ووولي سوينكا، وجون ماكسويل كويتزي، ونادين غورديمر. وقد تناول كل واحد منهم، بطريقته الخاصة، العلاقة بين الهوية والذاكرة واللغة والسلطة والكرامة الإنسانية.

في باكستان، يُعد تشينوا أتشيبي، بلا شك، الكاتب الأفريقي الأكثر قراءة، ولا سيما بفضل روايته "الأشياء تتداعى"، التي عرّفت أجيالًا من الطلاب بالأدب الأفريقي. كما يحظى كل من نغوغي وا ثيونغو ووولي سوينكا بمكانة رفيعة وتقدير واسع في الأوساط الأكاديمية والأدبية.

غير أن أكثر ما يلفت انتباهي ليس مجرد التشابه في الموضوعات التي يعالجها الأدبان الباكستاني والأفريقي، بل الرؤية الأخلاقية والإنسانية المشتركة التي تجمع بينهما. فكلا التقليدين الأدبيين نشأ في مجتمعات صاغتها تجربة الاستعمار، والتفاوض المستمر حول الهوية الثقافية، والكفاح المتواصل للحفاظ على الذات في مواجهة تحديات الحداثة. ولذلك لا يسعى الكتّاب في المنطقتين إلى تسجيل التاريخ فحسب، بل يعملون أيضًا على مساءلة السرديات الموروثة، واستعادة الأصوات التي طالما جرى تهميشها وإقصاؤها.

بوصفي قارئا باكستانيا، كثيرا ما أجد صدى لهذه الروح في أعمال سعادت حسن مانتو، وانتظار حسين، وبانو قدسيه، وعبد الله حسين، وفيض أحمد فيض، ورغم اختلاف السياقات التاريخية التي كتبوا في ظلها عن تلك التي عاشها الأدباء الأفارقة، فإنهم يجتمعون في انشغال عميق بقضايا العدالة والذاكرة والمنفى والكرامة الإنسانية، وتعقيدات التحولات الاجتماعية. وثمة نقطة التقاء أخرى بالغة الأهمية تتمثل في الدور المحوري للتراث الشفهي، فقبل أن تُدوَّن القصص، كانت تعيش في الحكايات المتناقلة، والأساطير الشعبية، والشعر، والذاكرة الجمعية.

لا يزال هذا الإرث الحي يشكّل الأدبين الأفريقي والباكستاني معًا، فيمنح كليهما أصالةً خاصة، ويحافظ في الوقت نفسه على أصوات الناس العاديين وتجاربهم، ولعل هذا ما يجعل رواية أفريقية تدور أحداثها في قرية، أو قصة باكستانية تنبض بأجواء بلدة صغيرة، قادرتين على إثارة مشاعر متقاربة على نحو لافت، فالأمكنة قد تختلف، لكن تطلعات الناس، ومخاوفهم وقدرتهم على الصمود، كثيرًا ما تتحدث اللغة الإنسانية نفسها.

في تقديري، تكشف هذه القواسم المشتركة أن الأدب لا تحدّه الجغرافيا، فقد تفصل القارات بين الأمم، لكنها تظل تطرح الأسئلة الإنسانية ذاتها: كيف نحافظ على هويتنا؟ وكيف نصون كرامتنا الإنسانية في زمن التحولات؟ وكيف نحمل حكمة الماضي إلى مستقبل يلفّه عدم اليقين؟ ولهذا أؤمن بأن العلاقة بين الأدبين الأفريقي والباكستاني تستحق اهتمامًا أكاديميًا وثقافيا وأدبيا أوسع بكثير، فهي ليست مجرد مقارنة بين منطقتين، بل هي حوار متواصل بين تقاليد أدبية يثري بعضها بعضًا، وتسهم، مجتمعةً، إسهامًا لا غنى عنه في إثراء الأدب العالمي.