تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 19 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

السرديات التي تشكّل مستقبل الذكاء الاصطناعي في أفريقيا

30 يوليو, 2026
الصورة
السرديات التي تشكّل مستقبل الذكاء الاصطناعي في أفريقيا
Share

في قاعات الاجتماعات بأديس أبابا ومراكز التكنولوجيا في نيروبي، يجري العمل على مشروع جديد لإعادة تشكيل العالم. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي ساحة رئيسية تتفاوض فيها الدول الأفريقية على موقعها داخل نظام عالمي غير متكافئ. لذلك، لا يعني الحديث عن "الذكاء الاصطناعي في أفريقيا" مجرد رصد وصول تقنية جديدة إلى القارة، بل يكشف عن أطر خطابية متنافسة تتحول عبرها التطلعات السياسية والطموحات التنموية والمواقف الأخلاقية وأولويات الحوكمة إلى سياسات وبرامج تقنية. مع توالي الاستراتيجيات الوطنية والبروتوكولات الإقليمية، يتضح أن الصراع لا يدور حول استخدام التكنولوجيا فحسب، بل حول الصورة التي تُرسم لأفريقيا في عصر الآلة، ونوعية المستقبل الذي تتيحه هذه الصورة.

هذه الأطر ليست مجرد قراءات مختلفة لتقنية ناشئة، بل تصورات متنافسة لماهية أفريقيا، والغاية من الذكاء الاصطناعي، والجهة التي ينبغي أن تتولى صياغة مستقبله. بعضها يرى في القارة فضاء للقفز على مراحل التنمية والتجدد، بينما يصورها بعضها الآخر بوصفها ساحة للهشاشة أو الاستخراج أو السيادة أو الترميم الأخلاقي أو التكيف مع القيود. كل تصور يضع فاعلين وإمكانات معينة في الواجهة، ويدفع بغيرها إلى الهامش. من هنا، لا يقتصر السؤال على ما يمكن أن يقدمه الذكاء الاصطناعي لأفريقيا، بل يمتد إلى الصورة التي يعيد خطابه إنتاجها عن القارة ومكانتها في المستقبل.

يتشكل أول هذه المسارات حول ثنائية الوعد والحماية؛ ففي جانب الوعد، يبرز إطار «النهضة الأفريقية 2.0»، الذي تتجلى ملامحه في الاستراتيجية القارية للاتحاد الأفريقي بشأن الذكاء الاصطناعي. ووفق هذا التصور، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد أفريقيا على القفز على مراحل التنمية، وتجاوز اختناقات التصنيع التقليدي، وبلوغ الازدهار عبر التحديث التقني. تُلقى المسؤولية هنا على عاتق الدولة التنموية والمخططين القادرين على تحقيق النمو والإدماج والتجدد. بينما تتصدر القدرات والتنافسية والتحولات الإيجابية هذه الرؤية، تتوارى خلفها الظروف التاريخية والاقتصادية والسياسية التي تجعل التسارع التكنولوجي مغريًا في المقام الأول؛ من الديون والتبعية في البنية التحتية إلى اختلال أنماط الملكية. كما يغيب عنها احتمال أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تعميق أوجه عدم التكافؤ الموروثة، بدلًا من مساعدة القارة على تجاوزها.

عندما يعجز نظام للذكاء الاصطناعي عن التعامل بصورة ملائمة مع لغات مثل: اليوروبا والولوف والزولو، فإنه لا يسبب مشقة لمتحدثيها فحسب، بل يعيد إنتاج تراتبية تدفع بعض اللغات، ومعها العوالم الثقافية والمعرفية التي تحملها، إلى هامش المجال الرقمي

في مقابل خطاب الوعود، يبرز خطاب وقائي ينطلق من هشاشة القارة أمام المخاطر المصاحبة للذكاء الاصطناعي. فمن هذا المنظور، لا تكمن المشكلة في أن أفريقيا تأخرت عن اللحاق بالتكنولوجيا، بل في تعرضها للمراقبة والتحيز والإقصاء، وفي إدخال أنظمة جديدة إلى بيئات تضعف فيها ضمانات الحماية وتضيق سبل الانتصاف. وكما يوضح تقرير «سيفيكوس» عن استخدام الذكاء الاصطناعي في المراقبة داخل أفريقيا، لا تقتصر المسألة على مخاطر محتملة في المستقبل، بل تشمل أضرارا قائمة بالفعل تُمارس عبر التكنولوجيا. ينصب الاهتمام الأخلاقي هنا على الفئات التي تتحمل هذه الأضرار، من أصحاب البيانات والعمال في أوضاع هشة إلى المواطنين الخاضعين للمراقبة والمستخدمين المهمشين لغويًا؛ فهؤلاء هم الأكثر عرضة لدفع كلفة أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تفتقر إلى الحوكمة الرشيدة. وتكمن أهمية هذا الإطار في وضعه الحقوق والأضرار والهشاشة المؤسسية في صدارة النقاش، إلى جانب منظومة حماية البيانات التي تتوسع في القارة، وإن بصورة متفاوتة. غير أن هذا المنظور قد يختزل أفريقيا في صورة قارة تحتاج إلى الحماية، بدلا من النظر إليها بوصفها طرفا فاعلًا ينازع على مستقبل التكنولوجيا ويشارك في صوغه.

من ثنائية الوعد والحماية، ينتقل النقاش إلى ساحة ثانية تتمحور حول البنية والسيادة، ويظهر فيها نقد أكثر اهتماما بالعلاقات العميقة التي تقوم عليها منظومة الذكاء الاصطناعي. ففي إطار النقد المناهض للاستعمار، لا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية مستقلة، بل باعتباره منظومة اجتماعية وتقنية تقوم على علاقات مادية غير متكافئة. ولا تقتصر هذه العلاقات على استخراج البيانات، بل تمتد إلى سلاسل إمداد المعادن، وتعهيد العمل، والتدهور البيئي، والبنى التحتية المملوكة لجهات أجنبية، فضلا عن عدم تكافؤ السيطرة على المؤسسات التي تدير الحياة الرقمية.

من هذا المنظور، لا تقف أفريقيا خارج منظومة الذكاء الاصطناعي منتظرة الدخول إليها، بل تشكل جزءا عميقا منها، وإن كان ذلك غالبا وفق شروط تبقيها في موقع تابع. وينصب الاهتمام هنا على العمال والمجتمعات المحلية والكيانات السياسية التي تُدمج أعمالها ومواردها وبياناتها في أنظمة الذكاء الاصطناعي، بينما تستأثر جهات أخرى بالملكية والقيمة المتولدة منها. هكذا يضع هذا الإطار الاقتصاد السياسي للذكاء الاصطناعي في قلب النقاش، ويجعل من الصعب اختزال مشكلة أفريقيا في نقص الجاهزية التقنية أو التأخر في الالتحاق بهذا المجال.

ومع ذلك، لا يخلو هذا النقد البنيوي من حدود، فالإفراط في التركيز على نزع الملكية قد يطمس التباينات الداخلية في أفريقيا، وينسب معظم القدرة على الفعل إلى القوى الخارجية، كما قد يقود إلى تفسير شمولي لا يترك مساحة كافية لفهم تعقيدات التفاوض والمناورة والتموضع الاستراتيجي داخل منظومة الذكاء الاصطناعي نفسها.

من هنا يبرز إطار السيادة، الذي ينقل مركز النقاش من عمليات الاستخراج إلى سؤال السيطرة: من يملك البنية التحتية، ويتحكم في المشتريات والمعايير، ويضع القواعد المنظمة لهذا المجال؟ يظهر هذا الاهتمام بوضوح في السياسة الوطنية للبيانات والحوسبة السحابية في جنوب أفريقيا. وتكمن قوة هذا الطرح في تأكيده أن الدول الأفريقية ينبغي أن تتولى حوكمة الأنظمة التكنولوجية بما يخدم المصلحة العامة، بدلا من الاكتفاء باستهلاك تقنيات تُنتج وتُدار وفق شروط مفروضة من الخارج. وتصبح الدولة ذات السيادة، وفق هذه الرؤية، الطرف المسؤول عن صياغة المستقبل التكنولوجي بشروطه الخاصة. لكن السيادة لا ينبغي أن تتحول إلى شعار رومانسي؛ فإعلان امتلاك السلطة لا يعني بالضرورة ممارستها فعليا، خصوصا في ظل اعتماد كثير من الدول على بنى سحابية أجنبية، ونماذج مستوردة، ومستشارين خارجيين، وسلاسل مشتريات غير شفافة. كما أن امتلاك الدولة سلطة أكبر لا يجعلها، بصورة تلقائية، أداةً للتحرر.

إن النقاش حول الذكاء الاصطناعي في أفريقيا يتجاوز الرقائق الإلكترونية والشيفرات البرمجية والقدرة التنافسية. فالسؤال الحقيقي هو من يملك حق تصميم المستقبل، وبأي شروط، ولمصلحة من؟

على مستوى ثالث، ينتقل النقاش إلى الأخلاق واللغة، حيث تبرز أطر ثقافية تسعى إلى إعادة التفكير في الأسس الأخلاقية للذكاء الاصطناعي. ويأتي في مقدمتها إطار «أوبونتو»، الذي يصوّر أفريقيا بوصفها مصدرا لرؤية أخلاقية تقوم على الكرامة والجماعة والاعتماد المتبادل والتضامن، وتتحدى النزعة الفردية الليبرالية السائدة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي. وفي أقوى صوره، يطرح هذا الإطار سؤالا جوهريا مضمونه، أيّ تصور للإنسان يفترضه الذكاء الاصطناعي، وأيّ إنسان يسهم في إنتاجه؟

الإنسان هنا لا يُفهم بوصفه فردا معزولا يحمل حقوقًا مستقلة فحسب، بل كائنا تتشكل ذاته من خلال علاقاته بالجماعة، وما تقوم عليه من تضامن واعتراف متبادل. لكن هذا الإطار، في أضعف صوره، قد يتحول إلى خطاب رمزي وتعويضي تغلب عليه الرومانسية، بدلا من أن يكون قوة قادرة على إحداث تغيير سياسي حقيقي؛ أي إلى معجم أخلاقي يضيف قدرا من التنوع إلى النقاش، من دون أن يعيد توزيع سلطة التحكم في البنية التحتية أو رأس المال أو المعايير.

في امتداد لهذا النقاش الأخلاقي، ينقل إطار العدالة اللغوية الاهتمام إلى موقع اللغة في الحياة الرقمية، وينطلق من أن أفريقيا لا تزال مهمّشة لغويا داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي. وتؤكد مبادرات مثل: «ليلابا» و«ماساخاني» أن اللغة ليست مجرد واجهة محايدة للتعامل مع التكنولوجيا، بل مجال تتوزع من خلاله فرص الاعتراف والمشاركة. فعندما يعجز نظام للذكاء الاصطناعي عن التعامل بصورة ملائمة مع لغات مثل: اليوروبا والولوف والزولو، فإنه لا يسبب مشقة لمتحدثيها فحسب، بل يعيد إنتاج تراتبية تدفع بعض اللغات، ومعها العوالم الثقافية والمعرفية التي تحملها، إلى هامش المجال الرقمي. لذلك، يضع هذا الإطار في مركز اهتمامه المتحدثين والجماعات اللغوية وأصحاب المعرفة الذين يمر وصولهم إلى الحياة الرقمية عبر أنظمة لم تُصمم وهي تضعهم في الحسبان. ومع ذلك، لا يكفي إدماج اللغات الأفريقية وحده لحسم قضايا الملكية والبنية التحتية والسلطة؛ إذ يمكن لنظام ذكاء اصطناعي يتحدث هذه اللغات بطلاقة أن يظل جزءًا من منظومة استخراجية تملكها أو تديرها جهات خارجية.

من الأخلاق واللغة، ينتقل النقاش إلى الساحة الأخيرة التي تتمحور حول الأسواق والتكيف. ففي إطار البراغماتية السوقية، الذي تتجلى ملامحه في بروتوكول التجارة الرقمية لمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، تُصوَّر أفريقيا بوصفها فضاء قانونيا وتنظيميا ينبغي تهيئته ليصبح أكثر وضوحا وقابلية للتعامل من جانب رأس المال. ويتطلب ذلك، وفق هذا التصور، تذليل العوائق بين الدول، ومواءمة القواعد والأطر التنظيمية، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار، بما يسمح للابتكار والتجارة والمنصات الرقمية بالتحرك والتوسع عبر الحدود بسهولة أكبر. وفي قلب هذه الرؤية يقف المستثمر والشركة والجهة التنظيمية ومنظومة ريادة الأعمال، بوصفها أطرافا تحتاج إلى قواعد واضحة وأسواق قابلة للتوسع. وهكذا تتصدر الكفاءة والنمو وقابلية التشغيل البيني المشهد. لكن ما يتوارى خلف هذا الخطاب هو أن المواءمة التنظيمية ليست إجراء تقنيا محايدًا؛ فهي قد تمنح الأفضلية لأطراف على حساب أخرى، وتهمّش أسئلة العمل والملكية، وتحجب المساءلة الديمقراطية خلف لغة تبدو سلسة ومحايدة عن تسهيل النفاذ إلى الأسواق.

بموازاة هذه البراغماتية السوقية، يبرز إطار "المبتكر المقتصد"، أو ما يمكن وصفه بـ"جوا كالي" في عالم التكنولوجيا، وهو إطار يحتفي بالحلول الصغيرة والمرتجلة القادرة على العمل من دون اتصال بالإنترنت، وعلى أجهزة منخفضة الكلفة، وفي بيئات محدودة الموارد.

يُعد نموذج "إنكوبا إل إم" (InkubaLM)، الذي طورته "ليلابا للذكاء الاصطناعي"، أبرز مثال معاصر على هذا التوجه. وتكمن جاذبية هذا الإطار في رفضه الفكرة القائلة إن الابتكار التقني المجدي لا يمكن أن يبدأ إلا من وفرة الموارد؛ فهو يصور أفريقيا قادرة على الابتكار تحت الضغط، وتحويل القيود إلى حلول عملية تستجيب لاحتياجات الواقع. يقف في صلب هذه الرؤية المطوّر والحِرَفي ورائد الأعمال المحلي، وكل من يرتجل حلولًا داخل مجتمعه لجعل الأنظمة تعمل في غياب البنى التحتية واسعة النطاق. وبذلك، يسلط الإطار الضوء على الإبداع والقدرة على الصمود والاستجابة للسياق المحلي. غير أن الاحتفاء بهذه البراعة قد يضفي طابعا رومانسيًا على الضرورة، فيحوّل الندرة من شرط سياسي ينبغي تغييره إلى علامة على الأصالة. كما قد يحمّل الابتكار المحلي أكثر مما يستطيع تعويضه، ويقلل من أهمية الاستثمار العام والسياسات الصناعية والدعم المؤسسي المستدام.

هكذا يضع هذا الإطار الاقتصاد السياسي للذكاء الاصطناعي في قلب النقاش، ويجعل من الصعب اختزال مشكلة أفريقيا في نقص الجاهزية التقنية أو التأخر في الالتحاق بهذا المجال

في المحصلة، لا تستمد هذه الأطر الثمانية أهميتها من قدرة أيٍّ منها على تقديم الحقيقة النهائية عن أفريقيا والذكاء الاصطناعي، بل من أن كل واحد منها يضيء جانبا من المشهد ويحجب جانبا آخر. فبعضها يضع التنمية في الصدارة، لكنه يقلل من حضور التبعية؛ وبعضها يكشف أنماط الاستخراج والضرر، لكنه يضيّق مساحة الفاعلية الأفريقية؛ فيما يحتفي بعضها باللغة والأخلاق من دون أن يمس توزيع السلطة المادية. وعند النظر إليها مجتمعة، لا ترسم هذه الأطر مسارا أفريقيا واحدا للذكاء الاصطناعي، بل تكشف عن صراع أعمق حول الصورة التي تُرسم لأفريقيا، والدور الذي يُسمح لها بأدائه في عصر التكنولوجيا.

إن النقاش حول الذكاء الاصطناعي في أفريقيا يتجاوز الرقائق الإلكترونية والشيفرات البرمجية والقدرة التنافسية. فالسؤال الحقيقي هو من يملك حق تصميم المستقبل، وبأي شروط، ولمصلحة من؟ ولا يقتصر الرهان على تبنّي التكنولوجيا أو تنظيمها، بل يشمل أيضًا سياسات التمثيل التي تحدد الفاعلين والمؤسسات وصور المستقبل التي تحظى بالاعتراف، وتلك التي تُدفع إلى خارج المشهد.

لهذا، لا تكتفي هذه الأطر بوصف أفريقيا، بل تسهم في تشكيل واقعها متى تبنّتها الحكومات والمؤسسات. فما تضعه في دائرة الاهتمام يصبح أساسًا للسياسات والمؤسسات التي تُبنى لخدمته، بينما يظل ما تحجبه بعيدًا عن النقاش. كما أن هذه الأطر لا تعمل منفصلة، بل تتداخل ويعزز بعضها بعضًا؛ فخطاب السيادة يستفيد من النقد المناهض للاستعمار، وبراغماتية السوق تستند إلى وعود النهضة والتقدم، فيما تُستخدم براعة المبتكر المقتصد لتخفيف صورة الندرة التي يضطر إلى العمل في ظلها.

بذلك، لن يُحسم مستقبل الذكاء الاصطناعي في أفريقيا بانتصار سردية واحدة، بل بطبيعة المزيج الذي سيفرض نفسه، وبالمصالح التي سيخدمها عندما يتحول إلى قوانين ومؤسسات وبنى تحتية راسخة. وعلى ذلك يتوقف ما إذا كانت هذه اللحظة ستفتح الباب أمام تحول بنيوي حقيقي، أم ستعيد إنتاج الأنماط القديمة في صورة تكنولوجية جديدة.