تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 19 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

السودان: كيف نفهم تراجع حميدتي؟

25 يوليو, 2026
الصورة
السودان: كيف نفهم تراجع حميدتي؟
Share

يسعى الجنرال السوداني المنشق محمد حمدان دقلو "حميدتي" لفعل ما بوسعه من أجل إثبات حضوره وسيطرته، فيرسل مسيّرات مدمرة، ويظهر في بث محاطا بعسكرييين وسياسيين ويصدر قرارات، فيما تعلن حكومته بين اليوم والآخر ما تحاول أن تقنع به المواطنين والرأي العام العالمي بأنها متواجدة وباقية.

لكن الحقيقة التي يصعب إنكارها، هي أن الجنرال في أصعب حالاته بعد لحظة الصعود الفريدة، التي استطاع تحقيقها في أشهر مغامرته العسكرية الأولى. المتمرد الذي كان يسيطر على العاصمة، ويستطيع وقف حركة الطيران، وتهديد مدن بعيدة في الشرق والوسط والشمال انتهى به الحال متراجعا إلى الإقليم الغربي.

المفارقة هي أن الأسباب، التي قادت للتقدم، وتحقيق ما سمي بشكل خادع انتصارا وسيطرة، هي نفسها التي أدت للتراجع والذبول، وجعلت الرجل الذي كان يهدد ويتوعد بخطاب عنيف، يعود معلنا موافقته على الهدنة وعلى التفاوض. ذلك لا يحدث رفقا بأرواح السودانيين، وخوفا من استمرار معاناتهم، وإنما للخروج بأكبر قدر ممكن من الغنيمة.

تفسير هذا الانتكاس سهل، فحميدتي الذي تزايد غروره، بعد أن أعلن أن الخرطوم باتت في غالبها بين يديه، نسي أن السبب في ذلك لم يكن يعود للغلبة العسكرية أو لتفوق التكتيك، وإنما لعنصر المباغتة والغدر. استغل الرجل موقعه، وتوزع رجاله في المراكز الحساسة في الدولة من أجل استخدامهم للانقلاب على رفاقهم، الذين لم يكونوا يتوقعون أن يأتي الخطر إليهم من زملائهم.

هذا العنصر لم يعد موجودا الآن، فالخرطوم التي يمنّي حميدتي عساكره وعشيرته بالعودة إليها، ليست هي خرطوم عام 2023 التي كانت تنام بغفلة. هذا هو أيضا حال كل مدن الوسط والشمال، التي تبدو اليوم أكثر استعدادا وتأهبا.

حدث هذا النفور بسبب الربط، الذي لم يعد من الممكن إنكاره، بين الميليشيا والانتهاكات، خاصة بعد صدور مئات التقارير الموثقة والمحايدة عن تورط قوات حميدتي في جرائم واسعة، تتضمن التطهير العرقي والمجازر

بجانب هذا كان هناك عامل آخر يمنح جنود حميدتي ومرتزقته قوة ودافعا، وهو ما كانوا يحصلون عليه من "غنائم" في المدن الكبرى. كان هذا الحافز كفيلا بأن يدفع بأبناء قبائل "الجنجويد"، بل وبامتداداتهم خارج السودان، لساحات المعارك، حيث يمكن للواحد منهم أن يعود بسيارة فاخرة والكثير من الأموال بعد فترة قصيرة.

الذي حدث بعد استكمال نهب المدن الكبرى، وعلى رأسها الخرطوم وود مدني، أنه لم يبق سوى القرى والمدن الأخرى الصغيرة، التي لا تحوي الكثير من الثروات، والتي لا يملك أهلها مدخرات تغري بالمخاطرة. هنا لم يعد الاتفاق، الذي يقول للمقاتل أننا قد لا نعطيك راتبا كافيا أو منتظما، لكنك ستحصل على ما يقع بين يديك، مغريا.

البعد الخارجي أيضا كان من العوامل الرئيسة، التي قادت لتثبيت أقدام حميدتي، خاصة بعد أن أعلن سيطرته على قلب البلاد. دول كثيرة كانت تراهن عليه في البداية على اعتبار أن حظوظ تحوله إلى حاكم السودان الفعلي صارت أكبر. ولم تكتفي بتقديم الدعم والمال، وإنما مضت أكثر من ذلك لبذل الإسناد الدبلوماسي، والتمهيد للاعتراف بسلطة حميدتي في الوقت الذي كانت فيه تحاصر الحكومة والجيش وتنزع منهما فيه الشرعية.

لسوء حظ حميدتي، فإن ذلك أيضا بدأ بالتغير، من ناحية لأنه فقد أراضي كثيرة ومكانة بعد أن استطاع الجيش فرض سلطته على أغلب أجزاء السودان، ومن ناحية أخرى حدث هذا النفور بسبب الربط، الذي لم يعد من الممكن إنكاره، بين الميليشيا والانتهاكات، خاصة بعد صدور مئات التقارير الموثقة والمحايدة عن تورط قوات حميدتي في جرائم واسعة، تتضمن التطهير العرقي والمجازر.

الذي حدث بعد استكمال نهب المدن الكبرى، وعلى رأسها الخرطوم وود مدني، أنه لم يبق سوى القرى والمدن الأخرى الصغيرة، التي لا تحوي الكثير من الثروات، والتي لا يملك أهلها مدخرات تغري بالمخاطرة

هذا الارتباط الدامي جعل جهات كثيرة تنأى بنفسها، فاليوم لا يجرؤ أي طرف على التصريح بمساندته حميدتي، بل تركز الجهات الداعمة على فكرة نزع الشرعية عن الجميع.

حميدتي كان له عامل قوة آخر هو إتكاؤه على الولاء القبلي والعشائري، ووعده لأبناء عمومته بالتمكين، ووراثة الدولة بعد سحبها من بين يدي "الكيزان". لقد أعاد حميدتي ورفاقه تعريف الكلمة التي ترتبط في السياق السوداني بالإسلاميين، الذين حكموا الدولة في عهد البشير، بحيث شملت كل أهل الوسط والشمال، وارتبطت بقبائل معينة يزعم خطابهم، المستلف في أصله من خطابات جماعات متمردة أخرى، أنها هي التي احتكرت السلطة والثروة.

دغدغة المشاعر عبر طرح نظرية "الاستبدال"، التي تمنح الحق في الاستيلاء على البيوت والمساكن وأدوات الإنتاج، بزعم أن أصحابها لا يستحقونها، وأنهم حصلوا عليها بغير وجه حق، كانت ناجحة في تأثيرها. كان خطاب التحشيد يخبر جموع البائسين بأن ما يعيشونه من فقر ليس نتيجة ضعف أو قلة سعي، بل هو أمر حدث بسبب تآمر النخبة العنصرية في المركز.

هكذا تحول حميدتي إلى نبي ملهم، ليس فقط في دارفور، ولكن في امتدادات ما تعرف باسم القبائل العربية في غرب أفريقيا. كانت ذلك الخطاب يقول أن هذه القبائل المظلومة، والتي لا تجد مكانتها اللائقة، سوف تتمكن أخيرا من أن تبني دولة خاصة بها.

هذا الأمر كان يسير بشكل جيد حتى نهاية العام الماضي، لكن مع العام الجديد طرأت تحديات كثيرة، حيث وجد حميدتي نفسه محاصرا من قبل حلفائه السياسيين، الذين كانوا يرون أن منطق العصبية القبلية لا يليق بشخص يريد بناء دولة، وأن المطلوب هو الانفتاح على مكونات مختلفة.

بسبب هذه التوصية أبعد حميدتي بعض المقربين عشائريا منه، وأسند مهاما وزارية وحكومية رفيعة في سلطته، التي أعلنها في مدينة نيالا، إلى أسماء رأى مقاتلون معه أنها لم تقدم ما قدموه، ولا تستحق أن تحصل بسبب التوازنات والحسابات السياسية على أي نصيب.

حدث هذا النفور بسبب الربط، الذي لم يعد من الممكن إنكاره، بين الميليشيا والانتهاكات، خاصة بعد صدور مئات التقارير الموثقة والمحايدة عن تورط قوات حميدتي في جرائم واسعة، تتضمن التطهير العرقي والمجازر

بدأ خطاب حميدتي يفقد جاذبيته بعد أن شعر كثيرون بأنه قد تم استغلالهم، كما كانت بعض الإجراءات التأديبية، التي وجهها نحو قيادات وأسماء معروفة من قبائل حليفة مثيرة للشك وتدفع المقاتلين المستنفرين للتساؤل حول ما إذا كان المشروع، الذي دفع آلاف ثمن بقائه من دمائهم، هو مشروع قومي فعلاً، أم مجرد مغامرة تهدف لتحقيق مجد شخصي.

كان من المتوقع لأي مراقب أن المجموعات، التي بدأت موحدة، سوف يزداد الشك فيما بينها والاتهامات بالخيانة. كان هذا يعني أن ما كان عنصر قوة صار أكبر عناصر الضعف والاختراق، التي دفعت البعض لأن يلقي السلاح مستسلما.

للتذكير، فإنه يجدر القول هنا، أن ميليشيا حميدتي، لم تعد منذ اندلاع الحرب تلك القوة النظامية القديمة "الدعم السريع"، الذي كان أقرب للواء عسكري مهني، وإنما تحول لتجمع عشوائي من مستنفرين من قبائل مختلفة تقاتل كل منها باستقلال تحت راية زعيمها. كان هذا مفيدا من ناحية أنه يستطيع توفير الآلاف من المقاتلين إبان كل معركة بشكل سريع، لكنه كان سلبيا لافتقار هذا التكتيك للقيادة الجماعية، ولصعوبة تحكم حميدتي نفسه في كل تحركات المقاتلين باسمه.

الابتعاد عن المهنية والتعامل مع الحرب على طريقة مقاولي الأنفار، الذين يطلب منهم تجميع أكبر عدد من المقاتلين بغض النظر عن الخبرة والتأهيل كان يحول الأمر لتجمع للباحثين عن المصالح والفوائد. صحيح أن هناك ولاء قبلي جامع، ولكن هذا الولاء هو بالدرجة الأولى لزعيم القبيلة، وليس لحميدتي ولا لمشروعه رمادي الملامح. هذا كان يعني أنه إذا تضاربت المصالح، فإنه يمكن لهؤلاء ببساطة الانشقاق والانسحاب بحثاً عما يحقق لهم فائدة أكبر.