السبت 10 أكتوبر 2026
لم تعد الأزمة السياسية في الصومال تقتصر على الخلاف بشأن موعد الانتخابات أو النظام الانتخابي، بل باتت تطرح سؤالًا أعمق حول الشرعية: من يحق له إدارة المرحلة الانتقالية إذا تعذّر على الأطراف الاتفاق على الانتخابات المقبلة؟
خلال الأشهر الماضية، انتقل الصراع من قاعات التفاوض إلى الشارع، واتسع نطاقه ليمسّ شكل الدولة الفيدرالية والعلاقة بين الحكومة المركزية والولايات، ودور القيادات السياسية والاجتماعية في تحديد مستقبل البلاد. وتصاعدت الأزمة في يونيو/حزيران، مع اندلاع مواجهات مسلحة في مقديشو بين قوات حكومية وأخرى تابعة للمعارضة، بعدما أخفقت مفاوضات مايو/أيار في التوصل إلى اتفاق بين الجانبين.
وفي سبتمبر/أيلول، عادت الدعوة إلى مؤتمر وطني شامل إلى الواجهة. فقد دعا حزب «هيميلو قرن»، الذي يقوده الرئيس السابق شريف شيخ أحمد، إلى عقد مؤتمر يجمع ممثلين عن الحكومة الفيدرالية والولايات والأحزاب والقوى السياسية، في حال فشل المفاوضات الجارية، للتوافق على الانتخابات وترتيبات المرحلة المقبلة.
يحتاج الحديث عن حكم موازٍ في الصومال إلى قدر من الدقة، إذ لا تشير المعطيات الحالية إلى وجود حكومة موازية مكتملة المؤسسات. لكن تحركات المعارضة توحي بتشكّل مسار سياسي موازٍ، تتضح ملامحه في اجتماعاتها، وتنسيقها مع بعض رؤساء الولايات، واتصالاتها بدول معنية بالشأن الصومالي، فضلًا عن الدعوات إلى مؤتمر وطني خارج الإطار الذي تطرحه الحكومة. وقد تمهّد هذه التحركات، إذا تطورت، لظهور مشروع حكم موازٍ.
وفي هذا السياق، طلب مجلس المستقبل الصومالي، الذي يضم شخصيات وقوى معارضة، بينها قيادتا بونتلاند وجوبالاند، من الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول رعاية حوار شامل. واشترط أن يشارك في المفاوضات على قدم المساواة مع الحكومة الفيدرالية، وأن تتولى الأطراف الدولية ضمان تنفيذ ما يُتفق عليه. وبذلك، يتجاوز مطلب المجلس مجرد الدعوة إلى الحوار، ليطرح نفسه شريكًا مساويًا للحكومة في تحديد ترتيبات المرحلة الانتقالية.
لم تعد الأزمة السياسية في الصومال تقتصر على الخلاف بشأن موعد الانتخابات أو النظام الانتخابي، بل باتت تطرح سؤالًا أعمق حول الشرعية
وإذا مضى هذا المسار قدمًا، فقد يفضي إلى تشكيل مجلس سياسي أو وطني، أو هيئة انتقالية، من دون أن يتخذ بالضرورة شكل حكومة تقليدية. وقد تطرح مثل هذه الهيئة نفسها ممثلةً لقوى المعارضة، وتسعى إلى تولّي إدارة المرحلة إذا عجزت الحكومة عن إدارتها.
ولا يمنح تشكيل هذه الهيئات شرعية دستورية تلقائية. غير أن الظروف السياسية، واستمرار الحكومة في تجاهل ما سبق الاتفاق عليه، قد يكرّسانها طرفًا بحكم الأمر الواقع في أي تسوية مقبلة. وقد تستمد وزنها من دعم ولايات فيدرالية وأعضاء في البرلمان وقبائل ترى أنها مهمّشة سياسيًا، إلى جانب قوى من المجتمع المدني وأطراف دولية. وهو دعم قد يتيح لها موازنة نفوذ الحكومة والتأثير في ترتيبات المرحلة المقبلة.
أصبحت مقديشو مركزًا لتحركات المعارضة ومشاوراتها بشأن المرحلة المقبلة. ففي 17 و18 سبتمبر/أيلول، عقد حزب «هيميلو قرن» اجتماعًا سياسيًا في العاصمة، أعقبته لقاءات بين شريف شيخ أحمد ورئيس الوزراء الأسبق عبدي فرح شردون، الذي أجرى بدوره مشاورات مع شخصيات سياسية أخرى. وتركزت هذه التحركات على التوصل إلى موقف مشترك يجمع شخصيات كانت تتحرك، حتى وقت قريب، بصورة منفردة.
وطرح المجتمعون فكرة عقد مؤتمر شامل يجمع الأطراف السياسية والمعنية للاتفاق على مستقبل البلاد، في ظل تجاهل الحكومة مقترحات قدمتها دول صديقة معنية باستقرار الصومال. وتناولت النقاشات أسئلة لا تزال تنتظر إجابات واضحة: هل ستُجرى الانتخابات؟ وفي أي موعد؟ ومن يملك صلاحية تحديده؟ ووفق أي نظام انتخابي؟
وتبقى إدارة المرحلة الانتقالية العقدة الأبرز. فأحد السيناريوهات المطروحة أن يعيّن الرئيس حسن شيخ محمود رئيس وزراء من صفوف المعارضة، يتولى تشكيل حكومة ائتلاف وطني لتصريف الأعمال وقيادة البلاد نحو الانتخابات. لكن هل تقبل المعارضة بهذا الترتيب وبمرحلة انتقالية تمتد عامًا إضافيًا، أم ترفضه وتتجه إلى تشكيل مجلس انتقالي أو حكومة موازية تتولى إدارة الانتخابات؟ حول هذه الخيارات قد تتشكل المواجهة السياسية المقبلة.
ويبدو تشكيل مجلس انتقالي احتمالًا جديًا، مع بدء تبلور الفكرة بدعم خارجي. غير أن المضي في هذا الخيار قد يعمّق الانقسام حول السلطة والشرعية، ويهدد تماسك مؤسسات الدولة الصومالية الهشة.
في مارس/آذار 2026، أقرّت الحكومة الفيدرالية تعديلات دستورية تمدّد ولاية الرئيس حسن شيخ محمود، وتؤجل الانتخابات من 2026 إلى 2027، وتوحّد الدورات الانتخابية للولايات. وفي ظل مؤشرات على توجه الرئيس لإزاحة رئيس ولاية جنوب غرب الصومال، عبد العزيز لفته غرين، برز الأخير في مقدمة المعارضين لهذه التعديلات، وأعلنت إدارته قطع العلاقات مع الحكومة الفيدرالية، على غرار بونتلاند.
قد يظهر كيان موازٍ إذا اجتمعت ثلاثة عوامل: خلاف على الانتخابات، ورفض محلي أو عشائري لنتائجها، ودعم سياسي أو أمني من خارج الولاية
وتصاعد الخلاف حتى كاد يتحول إلى مواجهة مسلحة، قبل أن تتدخل أديس أبابا بوساطة أقنعت لفته غرين بالتنحي وأمّنت له الخروج. وفي 30 مارس/آذار، وصل إلى العاصمة الكينية نيروبي، وقدّم استقالته رسميًا، وفق خطاب نُشر على موقع القصر الرئاسي في بيدوا.
وفي 10 يونيو/حزيران، شهدت بيدوا، العاصمة المؤقتة للولاية، انتخابات اختير فيها آدم مدوبي رئيسًا خلفًا له. وحصل مدوبي على 88 صوتًا من أصوات النواب التسعين الذين شاركوا في الاقتراع، من إجمالي 95 عضوًا في برلمان الولاية.
لكن لفته غرين رفض لاحقًا نتائج الانتخابات، وقال إن استقالته انتُزعت منه بالإكراه. وبحسب روايته، وُضع قريبه الجنرال مهد، عضو البرلمان والقائد السابق لقوات مصلحة السجون، قيد الإقامة الجبرية وتحت تهديد السلاح، بعد أيام من مغادرته منصبه العسكري، رغم تمتعه بالحصانة البرلمانية. وقال إنه وافق على الاستقالة خشيةً على حياتهما.
وخلال إقامته في نيروبي، أجرى لفته غرين لقاءات ومشاورات، ترافقت مع تداول معلومات عن حصوله على تعهدات بالدعم من جهات دولية وإقليمية وبعض رؤساء الولايات، وتشجيعه على إعادة تجميع قواته والعودة إلى المواجهة.
واندلعت لاحقًا معارك في بيدوا بين القوات الحكومية والقوات الموالية له، التي لم تتمكن من السيطرة على المدينة أمام مقاومة القوات الحكومية والإسناد الجوي التركي لها. ومع ذلك، قد تتيح كثرة الطرق المؤدية إلى بيدوا فرصًا لمحاولات جديدة؛ إذ يتجاوز عددها سبعين طريقًا معبدًا، فيما تنتشر ثكنات عسكرية عند 16 مدخلًا للمدينة.
وفي 18 سبتمبر/أيلول، أعلن لفته غرين تشكيل حكومة جديدة لولاية جنوب غرب الصومال، لتصبح الولاية أمام حكومتين تتنازعان السلطة. ويفتح هذا التطور فصلًا جديدًا من الأزمة داخل مؤسسات تعاني أصلًا المحسوبية والتهميش القبلي.
قد تصبح هرشبيلي إحدى بؤر الأزمة المقبلة في الصومال. فبينما يتمحور الصراع في جنوب غرب البلاد حول عودة رئيس الولاية السابق إلى السلطة، يتداخل الخلاف في هرشبيلي مع التنافس العشائري على الرئاسة وتوزيع النفوذ بين المكونات المحلية.
وفي سبتمبر/أيلول، ظهرت تقارير عن اختيار علي غودلاوي مرشحًا عن حزب العدالة، بما يعزز فرص بقائه في رئاسة الولاية. وأعاد ذلك الخلافات القديمة حول التوازن السياسي داخل هرشبيلي إلى الواجهة. وبالتزامن، أعلنت الهيئة الانتخابية الفيدرالية جدولًا لانتخابات مباشرة في هرشبيلي وغلمدغ، حددت فيه 30 سبتمبر/أيلول موعدًا للتصويت. لكن المسألة تتجاوز هوية الفائز إلى مدى قبول المكونات المحلية بالعملية الانتخابية ونتائجها.
وتوضح تجربة هيران كيف يمكن لخلاف إداري أن يتحول إلى مشروع سياسي منفصل. ففي عام 2023، أعلن علي جيتي رفضه سلطة هرشبيلي، ودعا إلى إنشاء إدارة مستقلة لهيران. واليوم، يتجدد التوتر حول التفاهمات التي أبرمتها السلطة المركزية مع سلطان قبيلة حوادلي ومدى التزامها بها. وقد صرّح السلطان، عقب تسلّم رئيس الولاية الحالي بطاقة الترشح، بأنه لا مجال إلا للحرب، ما يثير تساؤلات عمّا إذا كان التصعيد سيبقى سياسيًا أم سيتحول إلى مواجهة مسلحة. وتزداد هذه المخاوف مع تداول تسريبات غير مؤكدة عن مصالحة بين حوادلي وحركة الشباب، بعد مواجهات بين الجانبين.
في هذا السياق، قد يظهر كيان موازٍ إذا اجتمعت ثلاثة عوامل: خلاف على الانتخابات، ورفض محلي أو عشائري لنتائجها، ودعم سياسي أو أمني من خارج الولاية. ولا يوجد حتى الآن تأكيد رسمي على قرار بتشكيل هذا الكيان، لكن تعثر التسويات قد يدفع القوى الرافضة إلى البحث عن إطار سياسي مستقل.
تعاني غلمدغ انقسامات عشائرية وتحديات أمنية تفرضها حركة الشباب وجماعات محلية مسلحة. ويحدّ هذا الوضع من قدرتها على الدخول في مواجهة مباشرة مع مقديشو، مقارنة بولايات مثل بونتلاند وجوبالاند، فيما تبقى ساحة متكررة للتجاذبات بين الحكومة الفيدرالية والقوى المحلية.
وفي 30 يوليو/تموز، شهدت الولاية انتخابات محلية ضمن مسار الاقتراع المباشر الذي تنفذه الحكومة الفيدرالية. غير أن العملية أفضت إلى خلاف حاد مع حزب «توفيق» المعارض، بقيادة الشيخ شاكر، الذي طعن في النتائج أمام المحكمة العليا. وقضت المحكمة بإلغائها بالكامل، معتبرة أن المخالفات الدستورية التي شابت الانتخابات لا يمكن تصحيحها، وأمرت لجنة الانتخابات المستقلة بإعادتها وفقًا للدستور الفيدرالي وقانونَي الأحزاب والانتخابات.
وحددت اللجنة موعدًا جديدًا للاقتراع، لكن حزب «توفيق» لم يتمكن من التسجيل للمشاركة فيه، وغاب اسمه عن قائمة الأحزاب المتنافسة. وهكذا، وجد الحزب الذي نجح طعنه في إبطال الانتخابات نفسه خارج السباق عند إعادتها.
أما استمرار الانسداد، فقد يفتح الباب أمام سلطات متنافسة تزيد مؤسسات الدولة هشاشة. ويظل تفادي هذا الاحتمال مرهونًا بحوار جاد واستعداد متبادل لتقديم تنازلات.
ويثير غياب الحزب تساؤلات بشأن قبول نتائج الاقتراع وتداعياتها على استقرار الولاية، خصوصًا أنه ينتمي إلى أوساط جماعة «أهل السنة والجماعة»، ذات الخلفية الصوفية المسلحة. فهل يقبل الحزب بنتائج انتخابات لم يشارك فيها، أم تتسع القطيعة بينه وبين السلطات؟
وقد يفتح استمرار الخلاف الباب أمام ترتيبات سياسية بديلة، من بينها محاولة تشكيل إدارة موازية على غرار ما أعلنه لفته غرين في جنوب غرب الصومال. ويظل ذلك احتمالًا يتوقف على خيارات الشيخ شاكر وفرص التسوية، في ولاية قد يؤدي تعثر الحل السياسي فيها إلى مزيد من الاضطراب.
في مقديشو، تواصل المعارضة تحركاتها للضغط على الرئيس حسن شيخ محمود من أجل الالتزام بتعهداته وإجراء الانتخابات. وتسعى إلى توسيع التنسيق مع القوى السياسية والشركاء المعنيين بالشأن الصومالي لتحديد موعد متفق عليه للاقتراع. وإذا استمرت الحكومة في رفض المقترحات، فقد تتجه المعارضة إلى عقد مؤتمر تشاوري يبحث ترتيبات المرحلة المقبلة.
وقد يُعقد هذا المؤتمر خارج مقديشو، ويُطرح فيه اسم الرئيس السابق شريف شيخ أحمد لقيادة المرحلة الانتقالية، في استحضار لتجربة «التحالف من أجل إعادة تحرير الصومال»، الذي تأسس في أسمرة عام 2007. وتستند المعارضة في طرحها إلى أن الحكومة تجاوزت الأعراف السياسية والإطار الدستوري المتفق عليه، القائم على انتخاب الرئيس كل أربع سنوات، وأن استمرارها على هذا النهج يكرّس حكمًا فرديًا. وقد يعزز فرص شريف ما يستند إليه من ثقل سياسي وعشائري يتيح له مواجهة التحالف الداعم للرئيس.
وإذا توافقت المعارضة على هذا الخيار وحصلت على دعم الولايات المعنية، فقد تتجه إلى تشكيل مجلس سياسي يضع جدولًا انتخابيًا مستقلًا عن الحكومة الفيدرالية. وعندها، قد تُجرى انتخابات في بونتلاند وجوبالاند، فيما تدفع الإدارات الموازية في الولايات الأخرى، إن تشكّلت، بممثليها إلى العملية. وقد ينتهي هذا المسار إلى تشكيل برلمان موازٍ، فتنتقل الأزمة من الخلاف على إدارة الانتخابات إلى تنازع مؤسسات تدّعي كل منها امتلاك الشرعية.
بهذا المعنى، لم يعد الرهان مقتصرًا على تحديد موعد للاقتراع، بل بات يتعلق بمن يملك حق إدارة المرحلة الانتقالية ورسم قواعدها. ومع تصاعد التوتر في الولايات وتنامي الدعوات إلى مؤتمر وطني أو مجلس انتقالي، يتوقف اتجاه الأزمة على قدرة الأطراف على التوصل إلى تسوية شاملة، بضمانات دولية، تعيدها إلى مسار انتخابي متفق عليه. أما استمرار الانسداد، فقد يفتح الباب أمام سلطات متنافسة تزيد مؤسسات الدولة هشاشة. ويظل تفادي هذا الاحتمال مرهونًا بحوار جاد واستعداد متبادل لتقديم تنازلات.