الأربعاء 19 أغسطس 2026
تحت هجير شمس يوليو/تموز اللاهبة في منافي اللجوء بليبيا، وفي زاوية من مقهى شعبي يضج بلهجة ليبية لم نعتد عليها بعد، يجلس كاتب هذه السطور ممسكا بهاتفه المحمول. لم يكن أصعب على صحفيٍّ أفنى عمره في تتبع حكايات الآخرين وتوثيق مآسيهم، من تلك اللحظة التي التفت فيها وراءه ليجد أنه قد تحول، بغتة، إلى قصة بائسة تنتظر من يرويها. تحت دوي المدافع وصخب الرصاص الذي مزق الخرطوم، أغلقت غرف الأخبار نوافذها، لتنعى بيئة إعلامية كاملة، وتبدأ رحلة تشتت غير مسبوقة لأقلام السودان وكفاءاته.
اليوم، من وسط غبار الشوارع وأرصفة الغربة، نكتب بملء حبرنا المتبقي. لكن هذه المأساة لا تقف عند حدود شمال أفريقيا؛ فمن طرابلس وبنغازي والقاهرة، وصولا إلى كمبالا ونيروبي وجوبا، يتوزع جيل كامل من صناع الحقيقة في شتات مرير. بين عواصم العبور التي تفتقر للأمان القانوني، وعواصم تمنح اللجوء لكنها تغلق أبواب العمل اللائق، تتوحد معاناة إعلاميين سُلبت منهم غرف أخبارهم، لكنهم يرفضون الصمت، ليصيغوا من منافيهم فصلا استثنائيا في التضامن والصمود، في وقت لا تزال فيه أزمة بلادهم الكبرى مغيبة في زوايا النسيان الإعلامي العالمي.
تُعد أزمة السودان الحالية، الممتدة منذ أبريل/نيسان 2023، أكبر أزمة نزوح داخلي وخارجي في العالم؛ حيث أجبر النزاع المستمر أكثر من 12 مليون شخص على مغادرة منازلهم، من بينهم نحو 3 ملايين شخص عبروا الحدود كلاجئين ومهاجرين. ولم تكن النخبة الإعلامية بمعزل عن هذا التشتت؛ إذ تشير نقابة الصحفيين السودانيين إلى أن أكثر من 90٪ من المؤسسات الإعلامية توقفت تماما عن العمل، وتشرّد ما يزيد عن 1000 صحفي وإعلامي، تعرّض جلّهم للنزوح القسري، لتتوزع الأقلام والكفاءات بين ممرات العبور الصعبة في شمال أفريقيا وعواصم شرق أفريقيا.
وضعي القانوني هنا سليم تماما، لكنني لم أتمكن من الحصول على فرصة عمل دائم لندرة الفرص المتاحة في البلد. أعمل كصحفية مستقلة بشكل متقطع، وتأبى روحي التخلي عن قلمي؛ فالصحافة ليست مجرد حرفة وتخصص بالنسبة لي، بل هي حياتي وتكوين شخصيتي
في عواصم العبور كطرابلس وبنغازي والقاهرة، يرتطم الطموح المهني للإعلامي السوداني بجدار غليظ من الهشاشة القانونية وصعوبة الاندماج في سوق العمل. هنا في ليبيا، في ورش البناء وتحت سقوف مباني قيد الإنشاء وسط غبار الإسمنت وصوت آلات الحفر، يقف صحفيون وأصحاب كفاءات سودانيين في منطقة رمادية بلا هويات رسمية أو بطاقات إقامة تحميهم من توقيفات نقاط التفتيش. فقد تحول بعضهم إلى عمال يوميات شاقة فقط لتأمين الإيجار وقوت يومهم.
في قلب هذا الواقع الرمادي، تتقاطع التعقيدات القانونية مع ركود البيئة الصحفية المحلية؛ إذ يروي الصحفي السوداني مصعب محمد علي، المقيم في العاصمة طرابلس، رحلة عبوره الوعرة قائلاً: "دخلتُ إلى ليبيا عبر الصحراء في رحلة نزوح أفقدتني وثائقي الثبوتية، ورغم حصولي لاحقاً على «بطاقة الحصر» الممنوحة للسودانيين الفارين من الحرب، إلا أنها تظل وثيقة لتسهيل الوجود المؤقت، ولا تمنح وضعا قانونيا كاملا يكفل الإقامة وحقوق العمل الرسمية".
لا تتوقف معضلة مصعب عند حدود القانون، بل ترتبط ببنية المشهد الإعلامي والثقافي الليبي الذي يعاني أساسا من انكماش حاد جراء الانقسام السياسي والظروف الاقتصادية، وتوقف الصحف الورقية، وضيق الهامش الثقافي الذي يجعل المنافسة شبه مستحيلة لصحفي نازح أمام العمالة المحلية. وأمام هذا الانسداد وتفضيل القوانين للعمالة المحلية، يضيف مصعب بحسرة: "لم يكن أمامي خيار لتأمين احتياجات أسرتي سوى العمل في محلات تجارية ومهن يدوية شاقة، تمتد أحيانا لست عشرة ساعة يوميا مقابل دخل محدود. إنه تحول قاصم؛ ليس بسبب المشقة الجسدية فحسب، بل لأنه فرض عليّ غيابا قسريا عن مهنة كرست لها سنوات من عمري ودراستي".
على مسافة غير بعيدة، في شقق القاهرة المكتظة بالعائلات النازحة، تتشابه المعاناة وإن اختلفت تفاصيلها؛ حيث يواجه الصحفيون قيودا صارمة في الحصول على تراخيص العمل الصحفي الرسمية، مما يدفع كفاءات إعلامية بارزة للانكفاء داخل غرف ضيقة، وممارسة الصحافة عبر الإنترنت لمنصات بديلة، وسط بيئة اقتصادية ضاغطة تفتقر لأدنى أشكال الحماية الاجتماعية والعمل اللائق للعمالة الماهرة.
إن قصة الصحفيين السودانيين في منافيهم ومحطات عبورهم تثبت أن الصحافة لم تكن يوما مجرد وظيفة أو بطاقة تعريفية تُسلب عند الحدود؛ بل هي رسالة حياة وأداة بقاء وتضامن إنساني
لا تقتصر الهشاشة في دول العبور على القوانين المحلية فحسب، بل تمتد إلى عمق العلاقة التعاقدية بين الإعلاميين ومؤسساتهم السودانية التي نقلت مكاتبها إلى الخارج. ففي مدينة الإسكندرية الساحلية بمصر، تروي الصحفية السودانية منال فتح الرحمن فصلا آخر من فصول "التسريح الصامت" والاضطرار لتغيير المسار المهني بالكامل.
تقول منال: "بعد 15 يوما فقط من اندلاع الحرب، منحتنا مؤسستنا إجازة مفتوحة بلا مرتب. لاحقا، حين افتتحوا مكتبا في القاهرة، تواصلوا معي لمواصلة العمل، وبدأنا بالفعل في تجهيز استوديو وتشكيل فريق عمل مصغر. وعلى إثر ذلك، اتخذت خطوة مصيرية بإخلاء شقتي في الإسكندرية استعدادا للانتقال إلى العاصمة، لنتفاجأ فجأة بتوقف المشروع بالكامل".
هذا التذبذب الإداري قاد منال إلى جدار مسدود، تضاعف بفعل المركزية الإعلامية؛ إذ تخلو الإسكندرية تماما من أي نشاط إعلامي سوداني. وتضيف بحسرة: "بعد التزامي التام بالإجازة المفتوحة، تفاجأت قبل أسبوعين فقط بتعيين شخص آخر في وظيفتي دون أي إخطار رسمي أو إفادة بإنهاء خدمتي".
أمام تجميد عملها مع مؤسستها السودانية، لم تفكر منال في طرق أبواب الإعلام المحلي المصري؛ وتوضح ذلك قائلة: "أصلا لم أحاول العمل مع الإعلام المحلي المصري، ولا أعتقد أن هذا الخيار متاح للصحفيين السودانيين؛ ففي دائرتي الضيقة من الزملاء حولنا، لم يتمكن أحد على الإطلاق من العمل في الإعلام المحلي هنا".
أمام هذا الواقع، لم تستسلم منال للبطالة؛ بل وظفت مهاراتها في مسار بديل، حيث تعمل حاليا في الإشراف المدرسي بمدرسة سودانية بالإسكندرية، وهو ما أتاح لها منصة بديلة لخدمة مجتمعها وتوجيه طاقاتها الإبداعية. وتوضح: "من خلال عملي المدرسي، أتعامل يوميا مع قطاع واسع من الأسر السودانية النازحة. كما واصلت نشاطي من خلال مبادرة (أوقد شمعة) التي تسعى لنشر الوعي والمعرفة عبر نقل فكرة المكتبات العامة المتجولة إلى المدارس والمراكز المجتمعية في المهجر". إن قصة منال تؤكد أن أدوات الصحفي المعرفية وقدرته على القيادة المجتمعية تظل فاعلة، حتى وإن سُلبت منه المنصة الإخبارية وصُودر حقه الوظيفي.
على النقيض من الوضع الرمادي في دول العبور بشمال أفريقيا، تمنح دول منظومة "إيغاد" مثل: أوغندا وكينيا وجنوب السودان أمانا قانونيا نسبيا واعترافا أسرع بوضع اللجوء للنازحين السودانيين، تماشيا مع أطر المنظمة الإقليمية لحماية اللاجئين. ورغم هذا الغطاء القانوني، يصطدم الصحفيون هناك بحواجز وتحديات ميدانية من نوع آخر تمنعهم من تحقيق الاندماج المهني الكامل. يكشف هذا التباين بوضوح الفجوة الكبيرة بين حق الأمان وحق العمل اللائق والاعتراف بالمهارات.
على بُعد آلاف الأميال في العاصمة الكينية نيروبي، تتجسد هذه المعضلة بوضوح في تجربة الصحفية السودانية هند رمضان، التي غادرت بلادها بحثا عن الأمان المهني والشخصي لتستقر هناك. رغم قانونية وضعها وحيازتها لكافة الأوراق الرسمية، تعيش هند حالة من عدم الاستقرار المعيشي؛ إذ تروي قائلة: "وضعي القانوني هنا سليم تماما، لكنني لم أتمكن من الحصول على فرصة عمل دائم لندرة الفرص المتاحة في البلد. أعمل كصحفية مستقلة بشكل متقطع، وتأبى روحي التخلي عن قلمي؛ فالصحافة ليست مجرد حرفة وتخصص بالنسبة لي، بل هي حياتي وتكوين شخصيتي".
عن خيارات العمل البديلة، توضح هند صعوبة الموقف: "خلافا لغيري، لم أمتلك مهارة أخرى غير الصحافة لأمتهنها، وحتى التفكير في عمل تجاري خاص يصطدم بعقبات شروط الإقامات والتصاريح التي تتطلب رؤوس أموال طائلة لا نملكها، مما يترك السواد الأعظم من زملائي هنا بلا عمل ثابت". ومع ذلك، لم تقف هند مكتوفة الأيدي؛ بل سخرت قلمها لخدمة مجتمعها النازح في كينيا وخارجها، وتضيف: "مساعدتي لأهلي النازحين تتمثل في طرح قضاياهم المعيشية، والاقتصادية، والحقوقية، والانتهاكات التي يتعرضون لها وتوصيل أصواتهم ومعاناتهم للعالم.
بين عواصم العبور التي تفتقر للأمان القانوني، وعواصم تمنح اللجوء لكنها تغلق أبواب العمل اللائق، تتوحد معاناة إعلاميين سُلبت منهم غرف أخبارهم، لكنهم يرفضون الصمت، ليصيغوا من منافيهم فصلا استثنائيا في التضامن والصمود
في العاصمة الأوغندية كامبالا، تعكس تجربة الصحفية السودانية سمر سليمان هذا التباين بين الأمان القانوني والحدود الميدانية؛ إذ تقول سمر: "وضعي القانوني هنا كلاجئة في دولة أوغندا سليم تماما؛ فأنا أمتلك بطاقة اللجوء التي تمنحني حرية كاملة في التحرك والإقامة والعمل في أي مجال. لكن في المضمار الصحفي، أعمل كصحفية مستقلة لعدد من المؤسسات الإعلامية السودانية، وأحصر نشاطي فقط في تناول الشأن السوداني وأوضاع اللاجئين، دون الاقتراب من الشأن المحلي الأوغندي".
لا تتوقف معضلة سمر عند حدود مساحة النشر المتاحة، بل تمتد إلى عمق الأدوات المهنية التي بُترت بسبب الحرب، وتوضح ذلك قائلة: "بعد خروجنا القسري وإغلاق المؤسسات الإعلامية في السودان لأبوابها، واجهنا صعوبة بالغة في ممارسة المهنة إثر فقدان شبكة مصادرنا الحيوية التي كرسنا سنوات لبنائها في الداخل". ورغم هذه العزلة الميدانية، رفضت سمر الاستسلام؛ بل وظفت قلمها كأداة إسناد لمجتمعها في المهجر، فهي "تحاول مساعدة اللاجئين السودانيين هنا في أوغندا من خلال عكس واقعهم في اللجوء وتوصيل صوتهم، إلى جانب مشاركتي الفاعلة في نفي الشائعات وضحد الأخبار الزائفة عبر نقل الحقيقة".
رغم قسوة الشتات، رفض هؤلاء الصحفيون المشتتون الانكفاء على مآسيهم الشخصية؛ بل تحولوا إلى صمامات أمان ومصادر موثوقة لمجتمعاتهم النازحة من حولهم.
إن أزمة الصحفيين السودانيين المشتتين تعيد إلى الواجهة التحدي الاستراتيجي الذي تواجهه منطقة القرن الإفريقي المتمثل في نزيف العقول. وتثبت هذه المفارقات الجغرافية والمهنية الحاجة الملحة والقصوى لتفعيل بروتوكولات منظمة "إيغاد" بشأن حرية تنقل الأشخاص والاعتراف المتبادل بالمهارات والمؤهلات وحماية العمالة الماهرة.
إن إصلاح حوكمة الهجرة في المنطقة لا يجب أن يقتصر على توفير الأمان الجسدي فقط، بل يجب أن يمتد لضمان كرامة المهنة والعمل اللائق، لكي لا تظل النخب الفكرية والإعلامية معطلة القدرات في المنافي، ولكي يبقى صوت أزمة السودان حياً وحاضراً في المشهد الإعلامي الإقليمي والدولي.
إن قصة الصحفيين السودانيين في منافيهم ومحطات عبورهم تثبت أن الصحافة لم تكن يوماً مجرد وظيفة أو بطاقة تعريفية تُسلب عند الحدود؛ بل هي رسالة حياة وأداة بقاء وتضامن إنساني. وعلى الرغم من تشتت الأجساد وغياب غرف الأخبار الحقيقية، تظل الأقلام السودانية المهاجرة متمسكة بحقها في توثيق الحقيقة، لتكون صوتاً لمن لا صوت لهم، وجسراً يربط أجزاء الوطن الممزق، شاهداً على مأساة شعب يرفض أن يطويه النسيان.