تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 19 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

أرشيف إذاعة مقديشو.. تاريخ على حافة الضياع

26 يوليو, 2026
الصورة
أرشيف إذاعة مقديشو.. تاريخ على حافة الضياع
Share

ترقد آلاف البكرات الصوتية في غرفة مكيّفة داخل أرشيف "إذاعة مقديشو"، الإذاعة الرسمية في الصومال الجنوبي، مكدّسة على رفوف فولاذية ومصطفّة كأنها مخطوطات قديمة غطّتها طبقة كثيفة من الغبار. وتحفظ كل واحدة منها شذرة من تاريخ الصومال في القرن العشرين؛ من نشرات الأخبار والخطب إلى الأغاني والأصوات التي صدحت يوما عبر أثير البلاد، ويعود بعض هذه التسجيلات إلى أوائل خمسينيات القرن الماضي.

في إحدى زوايا الأرشيف، يثبّت عبد القادر غيدي روبله، أمين الأرشيف في إذاعة مقديشو، بكرة على جهاز تسجيل قديم، ثم يصله بجهاز كمبيوتر لنقل محتوياتها إلى صيغة رقمية. وما أن تنساب في الغرفة أغنية عاطفية للمطرب الصومالي البارز محمد موجي ليبان، حتى يستعيد روبله، كما أخبرني، ذكريات شبابه.

يعمل روبله ضمن فريق صغير على رقمنة نحو 400 ألف ساعة من المواد الإذاعية، وفهرستها وترتيبها منهجيا، قبل أن تتلف الأشرطة المغناطيسية ويستحيل استعادة محتوياتها، فتفقد البلاد معها سجلا بالغ الأهمية من تاريخها.

قال روبله في حديثه معي: "هذا أكبر مستودع في العالم للموسيقى والثقافة والمسرحيات، وغيرها من أشكال المحتوى باللغة الصومالية، لكنه لا يزال محجوبا عن الجمهور، وكأنه حبيس السجن. نحن نعمل على حفظه، ونسعى في الوقت نفسه إلى إتاحته للجمهور مستقبلًا".

تأسست إذاعة مقديشو عام 1951، إبان الحقبة الاستعمارية الإيطالية، قبل أن تتوسع تدريجيا، وتصبح أكبر مؤسسات البث العام في الصومال وأكثرها أهمية. بدأت الإذاعة بثها باللغتين الإيطالية والصومالية، ثم أطلقت لاحقًا خدمات بلغات أجنبية عدة، من بينها السواحيلية والأورومية والإنجليزية والعربية.

في أوج ازدهارها، كانت من أكثر الأصوات تأثيرا وتميزا في المشهد الإعلامي لشرق أفريقيا. ووصل بثها إلى جمهور واسع في تنزانيا وإثيوبيا والشرق الأوسط، متبنّيًا خطابًا إذاعيًا وحدويًا أفريقيًا ذا نزعة راديكالية، يذكّر بإذاعة القاهرة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.

كان بث الإذاعة يصل إلى نطاق واسع، حتى إن الرعاة الرحّل كانوا يتابعون عبرها أحداثًا تجري في أماكن بعيدة، مثل حرب فيتنام وحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة

باستثناء توقف قصير خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما وقعت تحت سيطرة أحد أمراء الحرب، ظلت إذاعة مقديشو مصدرا رئيسيا للأخبار للصوماليين وجمهور واسع في المنطقة. ولم يقتصر دورها على البث الإخباري، بل أصبحت أيضا مستودعا حيًا لذاكرة البلاد الجماعية. وقد اكتسبت الجهود الرامية إلى إنقاذ هذا الأرشيف والحفاظ عليه زخمًا جديدًا خلال العام الجاري.

في أوائل يونيو/حزيران، نظّمت وزارة الإعلام الصومالية، بالتعاون مع المكتب الإقليمي لليونسكو في شرق أفريقيا، ورشة عمل في مقديشو جمعت أمناء أرشيف من مختلف أنحاء البلاد. وتمثّل الغاية النهائية لهذه الجهود في تسجيل محتويات أرشيف الإذاعة ضمن برنامج «ذاكرة العالم» التابع لليونسكو، الذي يُعنى بحصر التراث الوثائقي ذي القيمة التاريخية وحمايته.

قال غيليرمي كانيلا، المسؤول البارز في اليونسكو والمشرف على المشروع: "إن حماية هذه المعرفة لا تهم الصومال وحده، بل تهم العالم أجمع".

كشف تقييم أجراه خبراء في أبريل عن وجود نحو 45 ألف شريط وبكرة، تحتوي على ما يُقدّر بنحو 400 ألف ساعة من المواد المسجلة منذ تأسيس الإذاعة. ووفقًا لليونسكو، لا يزال أكثر من 85 في المئة من هذه التسجيلات صالحًا للتشغيل، غير أن نحو شريط واحد من كل عشرة تضرر بفعل التقادم، بينما دُمّر أكثر من 5 في المئة منها أو أصيب بأضرار جسيمة.

لا تنبع أهمية أرشيف إذاعة مقديشو من ضخامته فحسب، بل أيضًا من احتوائه على مواد فريدة لا توجد لها نسخ محفوظة في أي مكان آخر. ومع ذلك، لم ينجُ هذا الإرث من آثار الزمن والاضطرابات التي شهدتها البلاد؛ إذ أخبرني روبله أن بعض التسجيلات تضرر جراء حريق كهربائي اندلع عام 2018، فيما فُقد بعضها الآخر خلال معارك عام 1992، عندما اشتبكت القوات الأميركية مع المليشيات الصومالية في شوارع مقديشو.

هذا أكبر مستودع في العالم للموسيقى والثقافة والمسرحيات، وغيرها من أشكال المحتوى باللغة الصومالية، لكنه لا يزال محجوبا عن الجمهور، وكأنه حبيس السجن. نحن نعمل على حفظه، ونسعى في الوقت نفسه إلى إتاحته للجمهور مستقبلا

في ذروة الحرب الأهلية، خاطر العقيد في الشرطة أبشر حاشي علي بحياته لحماية الأرشيف من النهب. فعندما اجتاح القتال مقديشو عقب انهيار الحكومة عام 1990، عاد مسرعًا إلى مقر الإذاعة، مدفوعًا، كما قال، بـ"الرغبة في إيصال هذه الثروة المحفوظة هنا إلى الصوماليين".

ورغم هذه المخاطر، لم تبدأ الجهود الفعلية لرقمنة الأرشيف إلا بعد سنوات. ويوضح مدير الإذاعة، عبدي جيتي، أن عملية الرقمنة انطلقت عام 2012، لكنها ظلت تتقدم ببطء بسبب نقص الموارد. ووفق تقديراته، لم يُحوَّل حتى الآن إلى صيغة رقمية سوى نحو 10 في المئة من مواد الأرشيف.

يقول جيتي: "حصلنا على بعض المعدات الجديدة، وتلقى أمناء الأرشيف مزيدًا من التدريب، لكننا لا نزال بحاجة إلى دعم كبير".

لا بد من العودة إلى المكانة التي احتلتها الإذاعة في حياة الصوماليين، لفهم الأهمية التي يكتسبها هذا الأرشيف، وإلى الدور الذي أدته في تشكيل وعيهم العام. وتوضح المؤرخة إيمان محمد أن "الإذاعة، في مجتمع يمنح الثقافة الشفهية مكانة تفوق الكلمة المكتوبة، امتلكت قدرة فريدة على خلق فضاء عام مشترك، أتاح للناس الشعور بالترابط فيما بينهم والانتماء إلى هوية وطنية جامعة".

مع أن الجمهور الصومالي كان يستطيع متابعة خدمة «بي بي سي» الصومالية وإذاعة هرجيسا ومحطات المعارضة، ولا سيما مع بدء تدهور مؤسسات الدولة في العقود الأخيرة من القرن العشرين، فإن إذاعة مقديشو ظلت الصوت المهيمن على ما تصفه محمد بـ"المشهد الصوتي للصومال الحضري".

جعلت هذه المكانة من الإذاعة حاضنة وطنية للمواهب، حيث يقول روبله: "إذا كنت موسيقيًا أو شاعرًا أو كاتبًا مسرحيًا أو منتجًا، فقد كانت إذاعة مقديشو المنصة التي تطمح إلى الظهور عبرها. إنها التي صنعت نجوم الصومال". ويشير إلى أن كثيرا من الصحفيين الذين حققوا لاحقا مسيرات مهنية بارزة في خدمة «بي بي سي» الصومالية، بدأوا حياتهم المهنية في إذاعة مقديشو، التي مثّلت بوابة رئيسية لاكتشاف المواهب وصقلها.

كان حسن طاهر، الصحفي السابق في الإذاعة، واحدا من بين كثير من الأطفال الصوماليين الذين نشؤوا وهم يحلمون بالعمل فيها. وقد أخبرني أن إذاعة مقديشو ظلت لسنوات المصدر الوحيد تقريبًا للأخبار بالنسبة إلى ملايين الصوماليين، حتى غدت، على حد وصفه، "عيون المجتمع وآذانه".

يقول طاهر: "كان بث الإذاعة يصل إلى نطاق واسع، حتى إن الرعاة الرحّل كانوا يتابعون عبرها أحداثًا تجري في أماكن بعيدة، مثل حرب فيتنام وحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة".

في عهد سياد بري، الضابط العسكري الذي استولى على السلطة في انقلاب عام 1969 وحكم الصومال عقدين تحت مظلة نظام قدّم نفسه بوصفه اشتراكيًا وثوريًا، تحولت الإذاعة إلى أداة لنشر أيديولوجيا الدولة. وامتزجت في برامجها الأخبار والدراما والمحتوى الديني بالخطاب القومي والمناهض للاستعمار.

في هذا السياق، بثت الإذاعة أغاني تدعو إلى الوحدة الأفريقية والتحرر، من بينها أغنية حليمة خليف مغول «يا أفريقيا، أما زلت نائمة؟»، التي حثّت شعوب القارة على النهوض والإمساك بزمام مصيرها. كما حظيت أغنية محمود عبد الله سنغوب «ارفضوا لون الإمبريالية» بشعبية واسعة آنذاك، وجسّدت هي الأخرى ذلك التقليد الموسيقي المشحون بالرسائل السياسية. وجاء في كلماتها: "يا أفارقة، أصغوا بعضكم إلى بعض؛ ارفضوا لون الإمبريالية، ارفضوه، ارفضوه، ارفضوه..!".

تشير إيمان محمد إلى أن كثيرًا من هذه الأغاني أُعيد أداؤه أو اقتُبست منه مقاطع وأُعيد توظيفه في أعمال لاحقة. ولذلك، يسمعها كثير من الشباب الصوماليين اليوم من دون أن يعرفوا أصحاب التسجيلات الأصلية أو السياقات السياسية التي أفرزتها.

انسجم هذا التوجه الموسيقي مع الخط التحريري للإذاعة؛ إذ ركزت تغطيتها الإخبارية على حركات التحرر والمقاومة المناهضة للاستعمار، من حرب موزمبيق ضد الاستعمار البرتغالي إلى النضال ضد الفصل العنصري في روديسيا وجنوب أفريقيا، فضلًا عن حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة. وكان صحفيو الإذاعة يعتزون بموقفها الصريح المناهض للإمبريالية والعنصرية. ويلخص طاهر طبيعة ذلك الدور بقوله: "كنا نروي قصص الشعوب التي تقاوم مضطهديها".

مع ذلك، تنبّه محمد إلى أن الإذاعة كانت أيضًا «لسان حال الحكومة»، وإن أدت في الوقت نفسه دورًا محوريًا في غرس «توجه أيديولوجي وطني وثوري لدى الشعب الصومالي».

استعادة ما يمكن إنقاذه أمر بالغ الأهمية للشباب الذين لم يعرفوا العالم الذي عاصر أوج ازدهار إذاعة مقديشو

كانت الحملة الوطنية لمحو الأمية من أبرز المشروعات التي ساندتها الإذاعة. ففي عام 1972، أرسلت الحكومة طلابًا إلى المناطق الريفية لتعليم السكان الكتابة بالأبجدية الصومالية التي اعتُمدت حديثًا، وأسهمت تلك الحملة في رفع معدلات القراءة والكتابة بصورة كبيرة في مختلف أنحاء البلاد.

لم يقتصر تأثير إذاعة مقديشو على الداخل، بل ارتبطت أيضًا بالسياسة الخارجية الإقليمية للصومال. فقد ظلت العلاقات الصومالية الإثيوبية محكومة بخصومة حادة خلال جانب كبير من القرن العشرين، قبل أن تبلغ ذروتها مع غزو الصومال لإثيوبيا عام 1977.

انعكس هذا التنافس على خريطة البث الإذاعي؛ إذ خصصت إذاعة مقديشو مساحات للجماعات الإثنية المهمشة داخل إثيوبيا، ولحركات التمرد المسلحة، ولا سيما الحركات الإريترية. وكان إطلاق برامج باللغتين الأورومية والسيدامية من أبرز مبادراتها في هذا السياق.

أخبرني طاهر، الذي كان يغطي الشأن الإثيوبي خلال عمله في إذاعة مقديشو، أن تلك البرامج كانت الأولى من نوعها على الإطلاق بكلتا اللغتين. فقد ظلت الأورومية والسيدامية مهمشتين سنوات طويلة في إثيوبيا، في ظل سياسات منحت الأفضلية للأمهرية، لغة النخبة في البلاد.

لكن الدور الذي كانت تؤديه الإذاعة في حياة الصوماليين تقلص كثيرًا منذ ذلك الحين. فقد أنهى انهيار الحكومة المركزية عام 1991 احتكار الدولة لقطاع البث، وفتح المجال أمام الإذاعات والقنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية الخاصة، التي سرعان ما حظيت بإقبال واسع لدى الجمهور الصومالي.

مع هذا التحول، فقدت إذاعة مقديشو معظم برامجها باللغات الأجنبية، وتراجع معها جانب كبير من طابعها الثوري. كما أعاق شح الموارد قدرتها على استعادة مكانتها السابقة، في وقت لا تزال فيه الدولة الصومالية تحاول إعادة بناء مؤسساتها بعد عقود من الصراع.

لم تكن الإذاعة بمنأى عن العنف المستمر في البلاد. ففي نوفمبر 2021، اغتالت حركة الشباب المسلحة المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي تخوض تمردًا طويلًا ضد الحكومة الصومالية، مدير الإذاعة آنذاك عبد العزيز محمود غوليد، في تفجير انتحاري وقع في مقديشو.

في ظل حرب أهلية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، ترى المؤرخة إيمان محمد أن إنقاذ الأرشيف وحفظه للأجيال المقبلة بات أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.وتقول: "خلّف تدمير الأرشيفات خلال الحرب الأهلية فجوة هائلة في السجل الوثائقي للصومال، حتى أصبح الباحثون في تاريخ البلاد يعتمدون بصورة شبه كاملة على الأرشيفات الأجنبية والروايات الشفهية".

تضيف أن هذه الفجوة تمثل تحديًا خاصًا للأجيال الشابة: "استعادة ما يمكن إنقاذه أمر بالغ الأهمية للشباب الذين لم يعرفوا العالم الذي عاصر أوج ازدهار إذاعة مقديشو". فالحفاظ على هذا الأرشيف لا يعني إنقاذ تسجيلات قديمة فحسب، بل استعادة جزء من ذاكرة الصومال وإتاحته لأجيال لم تعش ذلك الزمن.