السبت 10 أكتوبر 2026
كيف خرج اللاهوت من صومعة التأمل إلى ميدان التاريخ؟ وكيف انتقل السؤال الديني من مصير الإنسان في العالم الآخر إلى مصيره في هذا العالم؟ وكيف يمكن للإنسان أن يتحدث عن الله في عالم يرزح فيه الفقراء تحت وطأة الجوع، ويعيش فيه شعب كامل تحت نير الاستعمار والتمييز العنصري؟ وهل يستطيع اللاهوت أن يظل حبيس الكنائس والكتب المقدسة، بينما يعيش الإنسان واقعا من القهر والاستغلال؟ وهل يكون الإيمان ذا معنى إذا عجز عن الانتصار لكرامة المظلوم؟ ثم ما العلاقة التي نشأت بين الدين وحركات التحرر الوطني، وبين اللاهوت والماركسية والتيارات اليسارية التي ملأت فضاء القرن العشرين؟ وكيف انتقل مفهوم الخلاص من معناه الروحي المحض إلى معنى يرتبط بتحرير الإنسان من الفقر والاستعباد والاستعمار والعنصرية؟
لفهم نشأة لاهوت التحرر الأسود في أفريقيا، ينبغي العودة إلى المناخ التاريخي والفكري الذي شهدته البشرية منذ النصف الأول من القرن العشرين. فقد خرج العالم من الحربين العالميتين مدمرتين مثقلا بأسئلة الاستعمار والعنصرية والفقر والعدالة الاجتماعية... وكانت الإمبراطوريات الأوروبية (فرنسا وإنجلترا...) لا تزال تفرض نفوذها على أجزاء واسعة من أفريقيا وآسيا. وفي الوقت نفسه كانت حركات التحرر الوطني تنمو في المستعمرات، وبدأت شعوب كثيرة تطالب بحقها في تقرير مصيرها.
في هذا المناخ ظهرت تيارات فكرية ودينية جديدة حاولت إعادة قراءة علاقة المسيحية بالواقع الاجتماعي والسياسي، خاصة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا والولايات المتحدة. ولم يكن هذا التحول وليد لحظة واحدة، فقد سبقته إرهاصات مهمة في الفكر المسيحي الاجتماعي، ومن بينها الرسالة البابوية "الأشياء الجديدة" (Rerum Novarum) للبابا لاوون الثالث عشر سنة 1891، التي تناولت المسألة العمالية والفقر والعلاقات الاقتصادية، ثم "الرسالة البابوية العامة: في أربعين سنة" للبابا بيوس الحادي عشر في 15 مايو/آيار 1931، فضلا عن تنامي الحركات المسيحية الاجتماعية التي جعلت العدالة الاجتماعية جزءا من النقاش الديني. ثم جاءت المجمعية الفاتيكانية الثانية بين 1962 و1965، لتفتح أبوابا جديدة أمام الكنيسة الكاثوليكية في تعاملها مع قضايا الإنسان والمجتمع والعالم الحديث.
في أمريكا اللاتينية، حيث اجتمع الفقر الواسع مع التفاوت الاجتماعي والطبقي والإرث الاستعماري، وجد هذا التحول الديني بيئة خصبة. وكان مؤتمر الأساقفة في ميديين بكولومبيا سنة 1968 محطة حاسمة، إذ أصبحت قضية الفقر والعدالة الاجتماعية أكثر حضورا في الخطاب الكنسي. وفي هذا المناخ ظهر غوستافو غوتييريز، الذي نشر سنة 1971 كتابه الشهير "لاهوت التحرر: التاريخ والسياسة والخلاص"، وهو الكتاب الذي ارتبط اسمه بتأسيس أحد أهم الاتجاهات اللاهوتية في القرن العشرين.
الفقر ليس قدراً أبديا ينبغي للإنسان أن يستسلم له، والظلم الاجتماعي لا يمكن فصله عن البنى الاقتصادية والسياسية التي تنتجه
حاول غوتييريز أن ينقل السؤال اللاهوتي من التجريد إلى الواقع، وأن يجعل تجربة الفقراء والمهمشين مدخلا لفهم الرسالة المسيحية. ومن هذه البيئة خرجت الفكرة التي ستصبح لاحقا من أهم مرتكزات لاهوت التحرر؛ الفقر ليس قدرا أبديا ينبغي للإنسان أن يستسلم له، والظلم الاجتماعي لا يمكن فصله عن البنى الاقتصادية والسياسية التي تنتجه. وقد ارتبط هذا التفكير بمفهوم "الخيار التفضيلي للفقراء" (Option for the Poor)، الذي أصبح من المفاهيم الأساسية في لاهوت التحرر، والذي يدافع على فكرة مفادها أن السيد المسيح يقف إلى جانب المقهورين، ولذلك لا يمكن للكنيسة أن تنفصل عن قضايا الفقراء والعمال والمستضعفين.
في هذه النقطة تحديدا ظهر تأثير الماركسية والتيارات اليسارية على عدد من مدارس لاهوت التحرر، فقد كان القرن العشرون زمنا تصاعدت فيه مكانة الفكر الماركسي في الجامعات والحركات العمالية وحركات التحرر الوطني، ولا سيما في إفريقيا وأمريكا اللاتينية. ولذلك استفاد عدد من اللاهوتيين من بعض أدوات التحليل الماركسي، خصوصا مفاهيم الصراع الطبقي، وعلاقات الإنتاج، والاستغلال الاقتصادي، والهيمنة الاجتماعية، وتحليل البنية التي تنتج الفقر. ولم يكن هذا الاقتباس يعني بالضرورة تبني المادية الماركسية أو إنكار الدين، فقد حاول بعض اللاهوتيين التمييز بين الماركسية باعتبارها فلسفة مادية وبين استعمال بعض أدواتها الاجتماعية والاقتصادية لفهم الواقع.
كان هذا التداخل موضع نقاش حاد داخل الكنائس، حيث رأى المنتقدون أن الاقتراب من الماركسية قد يحول اللاهوت إلى خطاب سياسي، بينما رأى أنصار لاهوت التحرر أن تجاهل الاقتصاد والسياسة يجعل الحديث عن الفقر والخلاص حديثا منزوعا من الواقع. ولهذا نشأ لاهوت التحرر في منطقة تماس بين الإيمان والنقد الاجتماعي، بين الكتاب المقدس والأسئلة التي فرضتها الطبقات الفقيرة وحركات التحرر.
من أمريكا اللاتينية انتقلت أسئلة التحرر إلى فضاءات أخرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وأفريقيا. وفي الولايات المتحدة ظهرت اللاهوت الأسود في ستينيات القرن العشرين، متأثرة بالنضال ضد الفصل العنصري وحركة الحقوق المدنية وصعود خطاب القوة السوداء. وكان جيمس كون من أبرز مؤسسي هذا الاتجاه، ففي كتابه "اللاهوت الأسود والقوة السوداء" سنة 1969، ثم في كتابه "لاهوت أسود للتحرير" سنة 1970، حاول أن يعيد قراءة المسيحية من تجربة الإنسان الأسود الذي عاش العبودية والعنصرية والفقر والإقصاء. وأصبح سؤال الخلاص عنده مرتبطا بتحرير الإنسان من القهر، لا بالخلاص الأخروي وحده، وقد كان كون يرى أن صورة المسيح لا يمكن أن تفصل عن تجربة المظلوم، وأن اللاهوت الذي يتحدث عن الله بينما يتجاهل معاناة الإنسان الأسود يفقد صلته بالواقع.
وعليه، ارتبط اللاهوت الأسود بحركة أوسع لإعادة امتلاك السود لتاريخهم وكرامتهم وصوتهم الديني والثقافي والسياسي، كما استفاد هذا التيار من الحركات اليسارية ومن خطاب القوة السوداء، مع احتفاظه بمفرداته المسيحية الخاصة.
الدين لا يستطيع أن يقف متفرجاً أمام الظلم، وأن المصالحة لا تعني محو الذاكرة أو إسقاط المسؤولية الأخلاقية
أما أفريقيا، فقد كانت أرضا أكثر تعقيدا، لأن المسألة لم تكن مرتبطة بالعنصرية وحدها، وإنما بالاستعمار والرسالة التبشيرية والهوية الثقافية والنهب الاقتصادي وبناء الدول الحديثة... وقد نشأ إلى جانب اللاهوت الأسود تيار واسع عرف باسم اللاهوت الإفريقي، حاول أن يعيد قراءة المسيحية انطلاقا من التجربة الإفريقية نفسها، وأن يتحرر من التصور الذي يجعل الثقافة الأوروبية معيارا للمسيحية. وفي هذا المجال يبرز جون مبتي، اللاهوتي الكيني، الذي نشر سنة 1969 كتابه المعروف "الأديان والفلسفة الأفريقية"، محاولا دراسة التصورات الدينية والفلسفية لدى الشعوب الإفريقية، بعيدا عن النظرة الاستعمارية التي اختزلت إفريقيا في الوثنية والتخلف.
لقد ساعدت أعماله وأعمال غيره على فتح نقاش حول ضرورة أن تكون للمسيحية في أفريقيا لغة ثقافية نابعة من التجربة الأفريقية. لكن جنوب أفريقيا كانت الحالة الأشد وضوحا في التقاء اللاهوت بالتحرر السياسي والاجتماعي، فقد فرض نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) منذ سنة 1948 بنية قانونية وسياسية قسمت السكان على أساس العرق، وكرست امتيازات البيض وحاصرت الأغلبية السوداء في مجالات السكن والعمل والتعليم والحياة السياسية. وفي ظل ذلك الواقع وجد عدد من المسيحيين السود أن بعض المؤسسات الدينية نفسها أصبحت جزءا من الصراع حول شرعية النظام.
من أبرز الأصوات التي ارتبطت بهذا المسار ستيف بيكو، مؤسس حركة الوعي الأسود، وإن لم يكن لاهوتيا بالمعنى الأكاديمي، فقد رأى أن الاستعمار لا يحتل الأرض وحدها، وإنما يحاول السيطرة على وعي الإنسان أيضا. وفي كتابه "أكتب ما أريد"، الذي جمعت مقالاته ونشرت بعد موته تحت الاعتقال بسبب التعذيب سنة 1977، نجد دعوة إلى استعادة الإنسان الأسود ثقته بذاته وكرامته وقدرته على الفعل، وقد ترك فكره أثرا واضحا في المناخ الذي تطور فيه اللاهوت الأسود الجنوب إفريقي. وظهر إلى جانبه ألان بوساك، الذي نشر سنة 1977 كتاب "وداعا للبراءة"، داعيا إلى قراءة المسيحية من موقع الإنسان الأسود الذي يواجه نظام الفصل العنصري. وقد أصبحت الكنيسة عند عدد من اللاهوتيين ساحة للصراع الأخلاقي حول معنى العدالة، ولم يعد السؤال: ماذا تقول المسيحية عن الخلاص فقط؟ بل صار أيضا: ماذا تفعل المسيحية عندما يتحول الظلم إلى نظام سياسي وقانوني؟
في هذا المناخ ظهر ديزموند توتو، الذي جعل من الخطاب المسيحي أداة للدفاع عن الكرامة الإنسانية ومناهضة الفصل العنصري، وقد جمع في خطابه بين المرجعية المسيحية والعدالة الاجتماعية والمقاومة السلمية. وفي كتابه "الأمل والتجرد من الخوف" وغيره من كتاباته، ظهرت قناعة بأن الدين لا يستطيع أن يقف متفرجا أمام الظلم، وأن المصالحة لا تعني محو الذاكرة أو إسقاط المسؤولية الأخلاقية. وقد بلغ هذا التفاعل بين المسيحية والنقد السياسي والاجتماعي ذروة مهمة مع صدور "وثيقة كايروس" سنة 1985 في جنوب أفريقيا، وهي وثيقة صدرت عن مجموعة من المسيحيين واللاهوتيين المناهضين للفصل العنصري. وقد رفضت الوثيقة ما سمته "لاهوت الدولة" و"لاهوت الكنيسة"، ودعت إلى لاهوت يرتبط بالمضطهدين وبمقاومة النظام العنصري. وتكشف هذه الوثيقة بوضوح عن التحول الذي أصاب الخطاب اللاهوتي: فالنص الديني لم يعد يقرأ في عزلة عن التاريخ، وإنما صار يقرأ في ضوء علاقات السلطة والقهر والمقاومة.
الحديث عن الله بينما يتجاهل معاناة الإنسان الأسود يفقد صلته بالواقع
في الجانب الأكاديمي برز إيتوميلينغ موسالا، خصوصا في كتابه "التأويل الكتابي واللاهوت الأسود في جنوب أفريقيا" سنة 1989، حيث حاول أن يطور قراءة نقدية للكتاب المقدس، متأثرا بالتحليل الماركسي الاجتماعي والمادي للتاريخ، وقد رأى أن النصوص الدينية لا ينبغي أن تقرأ خارج الظروف التاريخية والاجتماعية التي أنتجت قراءاتها، وأن اللاهوت نفسه يمكن أن يتحول إلى أداة تبرير للهيمنة إذا فقد قدرته النقدية. وهكذا فإن اللاهوت الأسود في أفريقيا لم يكن نسخة أفريقية من تجربة أمريكية أو لاتينية، وإنما نشأ من تفاعل عدة عوامل: الاستعمار والفقر والعنصرية وحركات التحرر الوطني والوعي الأفريقي، والمسيحية واليسار وبعض أدوات التحليل الماركسي. وقد اختلفت درجات التأثر بين المفكرين؛ فبعضهم استعان بالماركسية لفهم الاقتصاد والطبقات، وبعضهم اقترب من الحركات اليسارية، بينما ظل آخرون أكثر تحفظا تجاه الماركسية، مع اشتراكهم في نقد الاستغلال والهيمنة.
لذلك ينبغي التمييز بين اللاهوت الأسود، واللاهوت الأفريقي، ولاهوت التحرر، فهذه التيارات تتقاطع في مسائل كثيرة، لكنها لا تتطابق. حيث أن لاهوت التحرر ارتبط في بدايته بأمريكا اللاتينية وبسؤال الفقر والعدالة الاجتماعية، واللاهوت الأسود الأمريكي انطلق من تجربة السود مع العنصرية والعبودية والفصل، أما اللاهوت الأسود الأفريقي، ولا سيما في جنوب أفريقيا، فقد تشكل في مواجهة الاستعمار والفصل العنصري والهيمنة الثقافية والاقتصادية.
مع ذلك فقد جمع بينها سؤال واحد: كيف يمكن للإيمان أن يتعامل مع واقع إنساني يقوم على القهر؟ ولعل قوة هذا السؤال هي التي جعلت لاهوت التحرر واحدا من أكثر الاتجاهات الدينية إثارة للجدل في القرن العشرين. فقد نقل الدين من سؤال الخلاص الفردي إلى سؤال الإنسان في المجتمع، ومن الحديث عن العالم الآخر إلى مساءلة الظلم في العالم القائم. واستفاد من الماركسية في تحليل البنى الاجتماعية والاقتصادية، واستفاد من حركات التحرر الوطني في مقاومة الاستعمار، واستفاد من تجربة السود في الدفاع عن الكرامة، ثم أعاد صوغ كل ذلك داخل لغة دينية تبحث عن معنى للعدل والخلاص.
وفي الأخير، يبقى السؤال الذي يتجاوز حدود أفريقيا وأمريكا اللاتينية والكنيسة نفسها: هل يستطيع الإيمان أن يصمت عندما تهان كرامة الإنسان؟ وهل يكون الدين قادرا على الحديث عن الخلاص من دون أن يسأل عن أسباب العبودية والفقر والعنصرية والاستغلال؟ لقد حاول لاهوت التحرر أن يقدم جوابا عمليا عن هذه الأسئلة، فحول اللاهوت إلى ساحة للصراع حول الإنسان، وجعل من قضية المظلوم امتحانا للأفكار والمؤسسات الدينية معا. وربما لهذا السبب ظل هذا التيار، رغم ما أثاره من جدل ونقد، شاهدا على مرحلة تاريخية أصبح فيها سؤال الله متشابكا بصورة وثيقة مع سؤال الإنسان: كيف نخلص الإنسان في الأرض، قبل أن نتحدث عن خلاصه في السماء؟