تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 19 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

لاسعانود.. اختبار القوة والسيادة بين مقديشو وهرجيسا

4 أغسطس, 2026
الصورة
لاسعانود.. اختبار القوة والسيادة بين مقديشو وهرجيسا
Share

في خطوة تعكس مساعي الحكومة الفيدرالية الصومالية إلى ترسيخ حضورها في لاسعانود، افتتح رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، في الثاني من أغسطس/آب الجاري، منشأة عسكرية تابعة للجيش الوطني الصومالي. تحمل الخطوة دلالات سياسية وأمنية خاصة، بالنظر إلى أن صوماليلاند لا تزال تعدّ المدينة جزءا من أراضيها، وتتمسك بحقها في السيادة عليها.

قوبلت زيارة بري بإدانة شديدة من هرجيسا، التي اعتبرتها انتهاكا مباشرا لسيادتها وخطوة من شأنها تأجيج الصراع. وأكدت وزارة الإعلام في صوماليلاند أن الحكومة ستتخذ "جميع الإجراءات القانونية والوطنية اللازمة" ردا على هذه الخطوة، داعية الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية "إيغاد" والأمم المتحدة إلى رفض التحرك الصومالي.

تُعدّ هذه الزيارة الثالثة لبري إلى لاسعانود منذ أبريل/نيسان 2025، لكنها تختلف في طبيعتها عن الزيارتين السابقتين، اللتين انصبّتا على وضع الحجر الأساس لمشاريع تنموية والمساعدة في إتمام عمليات لتبادل الأسرى. أما الزيارة الأخيرة، فانتقلت بالحضور الفيدرالي من الطابع السياسي والتنموي إلى وجود عسكري مؤسسي. ومع ذلك، لم تكشف مقديشو عن حجم المنشأة الجديدة أو طبيعة مهامها أو عدد القوات المتمركزة فيها، كما لم يتضح ما إذا كانت ثكنة جديدة للجيش الوطني الصومالي، أم خطوة لإضفاء الطابع الرسمي على دمج قوات «إس إس سي-خاتمو» في الجيش الفيدرالي.

خرجت لاسعانود عن سيطرة صوماليلاند عام 2023، عقب معارك استمرت أشهرا مع مليشيات عشائرية تحالفت لاحقا مع إدارة «إس إس سي-خاتمو»، التي حظيت بدعم الحكومة الفيدرالية في مقديشو. جاءت زيارة رئيس الوزراء حمزة عبدي بري في وقت تواجه فيه هذه الإدارة موجة من الانشقاقات السياسية، ما أضفى على الزيارة بعدا يتجاوز افتتاح المنشأة العسكرية إلى محاولة تثبيت حضور مقديشو ودعم حلفائها المحليين.

خرجت لاسعانود عن سيطرة صوماليلاند عام 2023، عقب معارك استمرت أشهرا مع مليشيات عشائرية تحالفت لاحقًا مع إدارة «إس إس سي-خاتمو»، التي حظيت بدعم الحكومة الفيدرالية في مقديشو

قبل وصول بري بثلاثة أيام، استقال أربعة نواب من برلمان ولاية شمال شرق الصومال في 30 يوليو/تموز، ثم توجهوا إلى هرجيسا، حيث أعلنوا تخليهم عن مشروع «الصومال الكبير» وجدّدوا ولاءهم لصوماليلاند. تكتسب هذه الاستقالات أهمية خاصة لأن بعض النواب المستقيلين كانوا من مؤيدي انتفاضة عام 2023 ضد صوماليلاند. لذلك جاءت زيارة بري في توقيت بدأت فيه شخصيات سياسية شاركت في دعم الانتفاضة تعلن عودتها إلى صفّ هرجيسا.

لا تنفصل الزيارة عن الخلاف الأوسع بين مقديشو وهرجيسا حول السيادة والاعتراف الدولي. فقد جاءت بعد نحو سبعة أشهر من اعتراف إسرائيل رسميا بصوماليلاند، في 27 ديسمبر/كانون الأول 2025، وهو اعتراف عدّته الحكومة الصومالية اعتداء مباشرا على سيادة البلاد. في اليوم التالي، وصف الرئيس حسن شيخ محمود الخطوة، خلال جلسة طارئة مشتركة للبرلمان، بأنها "غزو سافر". كما أصدر البرلمان قرارا يقضي ببطلان الاعتراف، محذرا من تعرض كل من ينتهك سيادة الصومال للمساءلة القانونية.

منذ ذلك الحين، سعت مقديشو إلى وضع الاعتراف الإسرائيلي في إطار أمني إقليمي أوسع. فقد وصفه الرئيس حسن شيخ محمود بأنه تهديد لاستقرار المنطقة، واتهم إسرائيل بالسعي إلى إقامة موطئ قدم عسكري بالقرب من خليج عدن. كما ادعى أن صوماليلاند وافقت على استقبال فلسطينيين مهجّرين مقابل الاعتراف بها، وهو ما نفته هرجيسا. واتهم رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، من جهته، الدائرة المقربة من الرئيس عِرّو بإخفاء اتصالاتها مع إسرائيل.

يتزامن افتتاح المنشأة العسكرية في لاسعانود مع تزايد الضغوط السياسية والأمنية على الحكومة الفيدرالية الصومالية. ففي 31 يوليو/تموز الماضي، قبل يومين من الافتتاح، حذّر الجنرال داغفين أندرسون، قائد القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، خلال زيارة إلى مقديشو، من أن استمرار الانخراط الأميركي في الصومال سيصبح أكثر صعوبة ما لم تتحمل السلطات الصومالية مسؤولية أكبر عن أمن البلاد.

تسعى الحكومة الفيدرالية إلى توسيع نفوذها في لاسعانود، في وقت تضطر فيه قواتها إلى استعادة مناطق سبق تأمينها في شبيلي السفلى

أكد أندرسون أن الولايات المتحدة "لم تدر ظهرها" للصومال، لكنه أقرّ بتنامي الأصوات في واشنطن ومناطق أخرى من الولايات المتحدة التي تتساءل عن الموعد الذي سيتولى فيه الصومال مسؤولية أمنه بنفسه. وأضاف أن استمرار الشلل السياسي سيجعل "من الصعب جدًا علينا مواصلة الانخراط".

لم تقتصر تحذيرات أندرسون على التعثر السياسي، بل أشار أيضا إلى الانتكاسات التي شهدتها العمليات العسكرية ضد حركة الشباب. وأوضح أن مناطق في إقليم شبيلي السفلى، سبق أن انتزعتها قوات «دنب» الخاصة المدربة أميركيا من الحركة، عادت مجددا إلى سيطرتها، ما اضطر القوات الصومالية إلى خوض معارك لاستعادتها للمرة الثانية.

تتزامن هذه الانتكاسات الميدانية مع تراجع أوسع في التمويل الدولي المخصص للمنظومة الأمنية الصومالية. فقد أبلغت واشنطن الاتحاد الأفريقي، في الأول من يوليو/ تموز، بأنها لن تواصل بعد 31 ديسمبر/كانون الأول تمويل الدعم اللوجستي، الذي توفره الأمم المتحدة لبعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال «أوصوم». وبررت قرارها بإخفاق مقديشو في تولي مسؤولية المهام الأمنية للبلاد بصورة كافية.

كانت ميزانية البعثة قد خُفّضت بالفعل بنسبة 25٪، فيما ناقش مسؤولون في الأمم المتحدة احتمال إغلاق مكتب الدعم اللوجستي في مقديشو بحلول نهاية العام، الأمر الذي قد ينهي دور الاتحاد الأفريقي قبل موعده المقرر بثلاث سنوات. وفي المقابل، لا تزال حركة الشباب تحتفظ بمناطق خاضعة لسيطرتها في جنوب الصومال، كما تواصل نقاط تفتيش تابعة لها الانتشار حول مشارف مقديشو.

يتزامن افتتاح المنشأة العسكرية في لاسعانود مع تزايد الضغوط السياسية والأمنية على الحكومة الفيدرالية الصومالية

بعد يوم واحد من تصريحات أندرسون، التقى اللواء كلود ك. تيودور الابن، قائد قيادة العمليات الخاصة الأميركية في أفريقيا، الرئيس عِرّو في هرجيسا، في الأول من أغسطس/ آب. وبحث اللقاء أمن البحر الأحمر وخليج عدن، فيما وصفه مكتب الرئيس عِرّو بأنه اجتماع استراتيجي، وأبدى الجانبان اهتمامًا بتوسيع التعاون الدفاعي بينهما.

لكن اللقاء لا يعكس بالضرورة تحولا في الموقف الأميركي من صوماليلاند؛ إذ كانت زيارة تيودور إلى هرجيسا محطة ضمن جولة إقليمية أوسع شملت أيضا جوبالاند وبونتلاند، وهما ولايتان عضوان في النظام الفيدرالي الصومالي. لذلك لا يمكن اعتبار الزيارة، في حد ذاتها، مؤشرا على تغيير سياسة واشنطن بشأن الاعتراف بصوماليلاند.

على الصعيد السياسي، يعكس بيان الإدانة الذي أصدرته هرجيسا في الثاني من أغسطس/آب تحوّلًا ملحوظا في خطاب إدارة الرئيس عِرّو تجاه صراع لاسعانود. فخلال مواجهات عام 2023، عزا قادة حزب «وطني» الانتفاضة بدرجة أساسية إلى مظالم داخلية، وقلّلوا من دور التدخلات الخارجية. لكن الحزب، منذ وصوله إلى السلطة، بات يصف الصراع على نحو متزايد بأنه نتيجة تحركات أطراف محلية تعمل بالوكالة وتحظى بدعم مقديشو. ومع ذلك، لا تزال الإدارة تعطي الأولوية للحوار وتبادل الأسرى، وتتجنب اللجوء إلى رد عسكري مباشر.

بهذا المعنى، يمثّل افتتاح المنشأة في لاسعانود انتقالا بحضور مقديشو من الزيارات والمراسم الرمزية إلى وجود عسكري مؤسسي. لكن قدرتها على الحفاظ على هذا الوجود سياسيا وعسكريا وماليا تظل موضع تساؤل؛ فالحكومة الفيدرالية تسعى إلى توسيع نفوذها في لاسعانود، في وقت تضطر فيه قواتها إلى استعادة مناطق سبق تأمينها في شبيلي السفلى، وتواصل حركة الشباب نشاطها حول مقديشو، بينما يُتوقع أن ينخفض التمويل الدولي للمنظومة الأمنية الصومالية بصورة حادة بعد ديسمبر/كانون الأول.