تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 5 سبتمبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

من دارفور إلى الأبيض.. لماذا تتكرر الإبادة الجماعية في السودان؟

15 أغسطس, 2026
الصورة
من دارفور إلى الأبيض.. لماذا تتكرر الإبادة الجماعية في السودان؟
Share

أطلق مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، الشهر الماضي «إنذارًا أحمر» بشأن مدينة الأبيض، محذرًا من الخطر المتزايد الذي يهدد سكانها. فالمدينة، التي تمثل مركزًا تجاريًا ولوجستيًا رئيسيًا في وسط السودان، باتت على خط المواجهة في حرب متواصلة منذ 40 شهرًا بين الجيش السوداني وميليشيا قوات الدعم السريع. ويُخشى أن يصبح سكانها أحدث ضحايا صراع شرّد أكثر من 14 مليون شخص، ودفع أكثر من نصف سكان السودان، البالغ عددهم نحو 50 مليون نسمة، إلى الاعتماد على المساعدات الدولية.

تصاعدت المخاوف خلال يونيو/حزيران، حين شنّت قوات الدعم السريع 27 هجومًا بالطائرات المسيّرة على الأبيض، في أعلى حصيلة شهرية منذ اندلاع الحرب. وطالت معظم الهجمات مستودعات الوقود ومضخات المياه وشبكة الكهرباء، ما فاقم معاناة سكان المدينة، البالغ عددهم نحو 500 ألف نسمة، وجعل الحياة فيها لا تُطاق.

لم يقتصر الضغط على القصف، إذ أغلقت قوات الدعم السريع عددا كبيرا من الطرق المؤدية إلى خارج المدينة. ومع الأمطار الموسمية التي تجعل الطرق غير سالكة، باتت الأبيض مهددة بعزلة خانقة قد تجعل البقاء فيها أو الفرار منها شبه مستحيلين. وفي محاولة لكسر هذا الطوق، استعاد الجيش السوداني السيطرة على طريق الصادرات الرابط بين الأبيض والخرطوم، ففتح بذلك منفذًا حيويًا ومنح المدينة متنفسًا مؤقتًا من هجمات قوات الدعم السريع.

لكن ما يلوح في الأبيض يعيد إلى الأذهان سيناريو تكرر من قبل، وفشلت الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى في التحرك لوقفه. ففي العام الماضي، فرضت قوات الدعم السريع حصارًا على مدينة الفاشر في شمال دارفور، حيث قُتل أكثر من 6 آلاف مدني خلال أيام معدودة، فيما تعرّض عدد لا يُحصى من آخرين للتعذيب والاغتصاب والاستعباد أو الإخفاء القسري، وفقًا لتحقيق أممي. وخلص تقرير التحقيق، الصادر الشهر الماضي، إلى أن جرائم قوات الدعم السريع تشكل إبادة جماعية. ومع ذلك، لم تعقب تلك الفظائع أي استجابة جادة.

لم تكن الفاشر الحالة الأولى. ففي الأشهر الأولى من الحرب، ومع اتساع سيطرة قوات الدعم السريع على دارفور، تعرّض سكان مدينة الجنينة في غرب الإقليم لما وصفته الأمم المتحدة بأنه إبادة جماعية. فقد منعت قوات الدعم السريع وصول المساعدات الإنسانية إلى المدينة، وأغلقت سبل الفرار أمام المدنيين. وفي يناير/كانون الثاني 2025، تبنّى وزير الخارجية الأميركي آنذاك، أنتوني بلينكن، التوصيف نفسه، واصفا تلك الفظائع بأنها إبادة جماعية. وساد حينها أمل بأن يحفّز هذا الاعتراف الرسمي استجابة دولية توقف العنف قبل استفحاله وخروجه عن السيطرة.

لعل المأساة الأكبر في السودان أنه، خلافا لما جرى في حالات سابقة من الإبادة الجماعية، لا يدعو أحد اليوم إلى تدخل عسكري من جانب تحالف غربي أو دولي لوقف العنف. كما لا تتبنى أي حكومة في الوقت الراهن تلك القناعة التي تبدو وكأنها تنتمي إلى زمن مضى

غير أن التاريخ يكشف أن ذلك الأمل لم يكن في محلّه. ففي عام 1994، أقرت الولايات المتحدة بأن رواندا تشهد «أفعال إبادة جماعية»، لكنها لم تتخذ أي إجراء جاد لوقفها. وعندما سُئل وزير الخارجية الأميركي آنذاك، وارن كريستوفر، عن موقف بلاده، تعثّر في الرد متسائلًا: «كم يلزم من أفعال الإبادة الجماعية حتى نكون أمام إبادة جماعية كاملة؟».

لم يكن تردد كريستوفر في اختيار الكلمات معزولًا عن السياق القانوني في ذلك الوقت. ففي نهاية الحرب الباردة، كان الرأي القانوني السائد يرى أن وصف العنف بأنه إبادة جماعية يستدعي استجابة دولية لوقفه. ولهذا أحجم كريستوفر عن تسمية الجريمة باسمها الحقيقي.

وقد دفع إخفاق المجتمع الدولي في رواندا، ثم في البوسنة بعد ذلك بعام، القادة الغربيين والمؤسسات الدولية إلى مراجعة عميقة لمواقفهم وآليات تعاملهم مع «جريمة الجرائم»، والبحث عن وسائل أكثر فاعلية لمنعها والتصدي لها.

في سياق تلك المراجعة، برزت مفاهيم مثل مبدأ الأمم المتحدة بشأن «مسؤولية الحماية». ويقوم هذا المبدأ على أن سيادة الدولة ليست حصانة مطلقة؛ فإذا عجزت الدولة عن حماية مواطنيها، أو تحولت هي نفسها إلى الطرف المعتدي، انتقلت مسؤولية التدخل إلى المجتمع الدولي. وفي السياق نفسه، أُنشئت المحكمة الجنائية الدولية لضمان محاسبة مرتكبي هذه الجرائم.

عام 2004، استخدمت إدارة الرئيس الأميركي آنذاك، جورج دبليو بوش، وصف «الإبادة الجماعية» لتوصيف أعمال القتل الجماعي الجارية في دارفور. وجرى توظيف المصطلح شعارًا لحشد تحرك دولي منسق في منطقة لم يكن سوى قلة من صانعي السياسات يرونها ذات أهمية حيوية لأمنهم القومي.

المؤسف أن الإدانات وحدها لن تكفي لمنع الإبادة الجماعية المقبلة في الأبيض، كما لن تحول دون طرح السؤال المحتوم: «كم إبادة جماعية يجب أن تقع قبل أن يعود منع الإبادة الجماعية مصلحةً وطنية؟»

لكن بعد أكثر من عقدين، تتكرر الجريمة نفسها في أنحاء السودان. ولم يعد الحديث يدور عن مجرد «أفعال إبادة جماعية» متفرقة، بل عن إبادات جماعية متعددة تغذّي الحرب وتضع المعنى الحقيقي لشعارَي «لن يتكرر ذلك أبدًا» و«أنقذوا دارفور» موضع تساؤل.

خلال العقدين الفاصلين، خضعت فكرة التحرك لمنع الإبادة الجماعية لتسييس متزايد، بفعل تدخلات انتهت إلى الفشل، مثل العملية التي قادتها الولايات المتحدة في ليبيا عام 2011، وكذلك بفعل الإحجام عن التحرك. وبرز ذلك بوضوح في موقف إدارة الرئيس باراك أوباما، التي امتنعت عن الرد على استخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب السورية، رغم أنها كانت قد أعلنت أن استخدامها يمثل «خطًا أحمر».

أما اليوم، فلم تعد المسألة ترددًا في التدخل فحسب، بل باتت الولايات المتحدة تقوّض مباشرةً مبادئ القانون الدولي والمؤسسات التي أُنشئت للحماية من الإبادة الجماعية. ففي هذا الشهر، أعلنت إدارة ترامب إطلاق ما وصفته بأنه «حملة دبلوماسية شاملة لتفكيك قدرات المحكمة الجنائية الدولية»، «لبنةً لبنةً إذا لزم الأمر». ويقوّض هذا النهج، في الوقت نفسه، هدف الإدارة المعلن المتمثل في إحلال السلام في السودان ومحاسبة المسؤولين عن العنف.

الأدهى من ذلك أن الوسطاء الأميركيين يسعون إلى استمالة قوات الدعم السريع، المسؤولة عن جرائم إبادة جماعية، وإشراكها في محادثات لوقف إطلاق النار قد تنتهي بمنحها حصة من السلطة ضمن أي تسوية سياسية مستقبلية. وقد يحقق هذا المسار مصلحة قصيرة الأمد تتمثل في وقف الحرب مؤقتًا، وهي حاليًا أشد صراعات العالم فتكًا بالمدنيين، لكنه لن يؤدي على الأرجح إلا إلى زرع بذور حرب جديدة.

لعل المأساة الأكبر في السودان أنه، خلافًا لما جرى في حالات سابقة من الإبادة الجماعية، لا يدعو أحد اليوم إلى تدخل عسكري من جانب تحالف غربي أو دولي لوقف العنف. كما لا تتبنى أي حكومة في الوقت الراهن تلك القناعة التي تبدو وكأنها تنتمي إلى زمن مضى، ومفادها أن «منع الإبادة الجماعية مصلحة أساسية من مصالح الأمن القومي ومسؤولية أخلاقية جوهرية في آن واحد»، على حد تعبير أوباما عام 2016.

لم يعد الحديث يدور عن مجرد «أفعال إبادة جماعية» متفرقة، بل عن إبادات جماعية متعددة تغذّي الحرب وتضع المعنى الحقيقي لشعارَي «لن يتكرر ذلك أبدًا» و«أنقذوا دارفور» موضع تساؤل

يكمن وراء هذا الغياب تناقض استراتيجي صارخ. فالسودان بلد شاسع وغني، ويتمتع بموقع جغرافي بالغ الأهمية، إلى حد يجعل قوى المنطقة تتنافس على مغانمه. لكنه، في الوقت نفسه، يظل بعيدًا عن دوائر المصالح الحيوية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بحيث لا ترى هذه القوى ما يدفعها إلى تسخير ثقلها السياسي للمساعدة في إنهاء المعاناة الإنسانية أو تفادي احتمال تفكك البلاد.

بدلًا من توظيف هذا الثقل لإنهاء الحرب، تسمح واشنطن لحلفائها في أنقرة والقاهرة والرياض وأبوظبي ببيع الأسلحة واستخراج الذهب وتقديم الدعم التكتيكي الذي يمكّن طرفي الحرب من مواصلة القتال. وفي مفارقة واضحة، تندد تلك القوى نفسها بأدوار داعمين خارجيين لا تسمّيهم في المأساة السودانية، مع أنها جميعًا جزء من المشهد الذي تنتقده.

انضم وزراء خارجية مجموعة السبع مؤخرًا إلى الأصوات المطالبة بإنهاء الحرب، فأدانوا قصف قوات الدعم السريع لمدينة الأبيض، وحثّوا طرفي الصراع على الانخراط في محادثات لوقف إطلاق النار، كما طالبوا دول الجوار والداعمين الخارجيين بوقف مساندتهم للحرب. لكن هذا البيان، شأنه شأن البيانات الرسمية الصادرة خلال السنوات الثلاث الماضية، خلا من أي إشارة إلى أن هؤلاء القادة مستعدون لاتخاذ خطوة تتجاوز إدانة انتهاكات قوات الدعم السريع.

المؤسف أن الإدانات وحدها لن تكفي لمنع الإبادة الجماعية المقبلة في الأبيض، كما لن تحول دون طرح السؤال المحتوم: «كم إبادة جماعية يجب أن تقع قبل أن يعود منع الإبادة الجماعية مصلحةً وطنية؟».